عمّان - رويدا السعايدة

تفتقد شوارع العاصمة عمان والمدن هذا الصيف أبناءها المغتربين الذين حالت «جائحة كورونا» دون لقاء أحضان الأمهات والأجداد وأبناء العمومة، والتسكع في الأحياء والشوارع.

على بعد آلاف الكيلومترات تسمع نبضات قلوبهم شوقا وحنينا كانوا ينتظرونه عاماً كاملاً لقضاء إجازة الصيف في الوطن.

الرأي رصدت بعض مشاعر الحزن، تلك المختلطة بحبس الأشواق إلى ليالي الصيف التي كانوا يقضونها في قراهم ومدنهم التي غادروها بحثاً عن حياة أفضل.

«ثقيل هذا الكورونا» يصف معظمهم الحال الذي أفرزته «الجائحة» من إجراءات احترازية فرضتها الحكومة لتحول بينهم ومعانقة الوطن.

«انتظار وحنين»

تصف المغتربة سلسبيل ثويب افتقادها أحبائها وعائلتها بالقول: «ما كان يصبّرنا على غربة سنة هو انتظار شهر الإجازة» وهي تأمل أن تلتقيهم العام المقبل وهم بصحة وعافية.

وتوافقها الرأي المغتربة أسماء مسلم؛ بأن حرمانها هذا الصيف من لمّة الإخوان والأخوات والأهل عبء ثقيل سببته «كورونا»، وهي تصف 2020 بأنها «سنة غير عن كل السنين».

وقف الرحلات الجوية الذي تسببت به «كورونا»حرم المواطنة جواهر الشريف من لقاء ابنتها وابنها المقيمَين في إمارة دبي؛ حيث كان من المزمع أن تحتفل بزواج ابنها هذا الصيف في ربوع الوطن، إلا أنه أجله لحين انتهاء الجائحة؛ ودَعت الله أن يجمعها بهم على خير وأن يرفع البلاء عن الوطن والانسانية جمعاء.

«الشوق للأماكن»

المغترب عبد الحميد حرب يرى أنه من الصعب العودة إلى الوطن لقضاء الإجازة الصيفية في ظل القرارات الحكومية. وهو يحنّ لوالدته وإخوته وعائلاتهم وأصدقائه وبيته؛ ويأمل أن تنتهي الجائحة بأسرع وقت وتعود الحياة لسابق عهدها ليتسنى له العودة؛ إذ أنه يتوق لزيارة قبر والده.

«صيفية باهتة»

وتصف نورة الفرا هذا الصيف بأنه «باهت دون عودة المغتربين»، فهي بالنسبة إليها «الربيع» و"الصيف» و«السهرات»و«الطشات»، وهي أيضا «الأعراس» و«الأعياد».

وسام العبادي، المقيم في قطر، يرى أن العودة إلى الوطن خلال فصل الصيف هي «راحة للنفس.. بأن تكون على مقربة من الوالدين والأهل والعشيرة.. وأن تكون حاضرا معهم في أدق تفاصيل فرحهم وحزنهم.

وهو يعتقد بأن غياب المغتربين هذا الصيف من شأنه أن يؤثر سلبا على العديد من القطاعات الاقتصادية التي تشهد حركة قوية خلال وجود المغتربين والزوار من الدول الشقيقة الذين يضخون أموالا خلال وجودهم في الأردن في قطاعات السيارات والسياحة وشراء العقارات والمطاعم.

«رائحة الأمهات وخبز الطابون»

يقول الناشط الشبابي فيصل صويص أن إجازة الصيف هدية بالنسبة للمغتربين؛ فهم تجرعوا مرارة الغربة والابتعاد عن الأهل والأصدقاء من أجل حياة أفضل بعد أن غادروا الوطن.

وهو يصف رحلة العودة التي يمر بها هؤلاء المغتربون، التي تبدأ مع إغلاق المدارس أبوابها لتمر بمطارات العالم وصولا لكلمة قائد الطائرة وهو يقول أهلا بكم بمطار الملكة علياء الدولي، ترسم حينها ابتسامة المغترب «المختلفة» وكأن قدميه تسابقان جسده.

وهو يؤكد أن إجازة الصيف ليست للاستمتاع فقط؛ بل فرصة «ليكونوا جزءاً من الحدث والذكريات الجميلة وليعلّموا أبناءهم بأن لديهم وطنا سيعودون إليه يوما ما».

ويرى أن تلك الاجازة ليست للملاهي والحدائق، وإنما لتزداد علاقة أبنائهم عمقا مع الأهل و الأجداد وأبناء العمومة. ويستطرد بصبوص في الوصف بالقول: «الصيف للمغترب أكثر من رحلة؛ بتفاصيلها.. رائحة الأمهات وخبز الطابون والزعتر وزيت الزيتون، فيها تفاصيل الحارات والمدن وضحكات الأطفال التي تعلو وتزداد مع كل يوم».

وهو يشير إلى أن «جائحة كورونا» حرمتهم من وصول الحقائب إلى عمان هذا الصيف؛ فلن يتناولوا المنسف بالجميد والسمن البلقاوي، وهاشم لن يصنع لهم الفلافل، ولن يسيروا في شوارع عمّان ولن يتناولوا الكنافة من حبيبة، ولن يقبلوا أيدي أمهاتهم ولن يستمتعوا بخيرات الأرض من المشمش والدراق والعنب.

وهو يناشد المغتربين الصبر، ويقول: «ستعودون العام المقبل وتكونون أكثر فخرا واعتزازا بهذا الوطن الذي واجه كورونا وانتصر عليها بعزيمة أبنائه وبناته وتكتبون معنا أحلى الحكايات وستصنعون أجمل الذكريات».

«شعور سلبي»

الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة يرى أن عدم عودة المغتربين خلال الصيف أمر لا يسر الأردنيين، من هم داخل البلاد وينتظرون عودة أحبائهم، أو المغتربين الذين قرروا عدم العودة هذا العام، أو ارتأت الدول المضيفة عدم السماح بالخروج منها أو الدخول إليها، درءاً للوباء.

ويُرجع غرايبة هذا الشعور السلبي حيال عدم العودة إلى أسباب اقتصادية واجتماعية، وعلى المستويين الأسري، والمجتمعي الوطني بفرعيه الاقتصادي والاجتماعي.

أجواء العودة إلى الوطن، وفق غرايبة، وبخاصة العودة من محيط العمل والجهد والتعب والمكابدة في الخارج، وتعليق الآمال على أجواء محلية «موقتة» للزيارة والسياحة والالتقاء الاجتماعي هي ما حالت إجراءات التعامل مع جائحة كورونا بين المغتربين وبينها.

وهو يتوقع أن تكون أجواء هذا العام مختلفة بالنسبة لكثير من المغتربين العائدين عودة موقتة، عندما يلمسون تخوفات الوباء والغلاء والجفاء وهي تلقي بظلالها على الجميع، ويلمسون الارتفاع المستمر والمفاجىء للأسعار.

وكان الجميع بانتظار المغتربين، ليدلوا بدلوهم في ضخ الأموال إلى أسرهم ومصارفهم ومؤسساتهم والأسواق بمختلف الاتجاهات.

وهو يرى أن غيبة المغتربين هذا العام ستترك آثارها على الاستثمار والاستهلاك والسياحة والخدمات الطبية والتعمير، وحتى الخروج إلى المتنزهات والمصايف والحفلات والمآدب والزيارات، بصورة سلبية ملموسة.

«انتكاسة اقتصادية»

الخبير الاقتصادي حسام عايش يعلق على الآثار المترتبة على عدم عودة المغتربين هذا الصيف بأنهم كانوا وما يزالون يشكلون جزءاً من الحالة السياحية في أشهر الصيف؛ ‘إذ أنه لا شك أن غيابهم سيؤثر سلبا على مستوى الحركة التجارية والسياحية والفندقية والنقل، بشقيه الجوي والبري، والمطاعم والاستثمار في العقار.

هذا العام، يقول عايش، «مختلف» نتيجة لعدم عودة المغتربين بسبب كورونا؛ وهو انعكاس سلبي على مختلف القطاعات نتيجة عدم عودتهم أو استغناء بعض القطاعات عن العمال نتيجة الأزمة الاقتصادية التي أفرزتها كورونا.

ويؤشر إلى أن العائد السياحي انخفض نتيجة جائحة كورونا بنسبة 25 بالمئة مقارنة بالأعوام السابقة، إذ بلغ نحو 4 مليارات دينار العام الماضي.

ويلفت عايش إلى مخاوف من عودة الأردنيين ممن فقدوا وظائفهم في الخارج نتيجة أزمة كورونا، التي «ستزيد أعداد العاطلين عن العمل.

ويشير كذلك إلى انخفاض تحويلات المغتربين في النصف الأول من العام، ما أفرز آثاراً اقتصادية سلبية في الوقت الذي تبذل المملكة جهودا مضنية لمعاودة النشاط في ظل عدم عودة المغتربين التي تشكل مفصال مهما في النشاط الاقتصادي.