... حين جئت لعمان طفلا وتركت الكرك، عانيت من اختلالات في السمع.. وكان الطبيب يؤكد أنه التهاب في الأذن الوسطى، هو لم يكن كذلك.. فالأصوات هنا مختلفة..

لم أعد أسمع صوت (الكونتنتال) يعبر، كنت في الكرك أسمعه كل يوم، وصوته مميز ومختلف، يشبه صفير القطار، وكنا نلمح الدخان يتصاعد منه.. لم أعد أسمع، محمد عبده..فقد كان ينطلق صوته من بين ثقوب الشبابيك، وأنا لكثرة ما مشيت في الزواريب حفظت أغنية (يوم اقبلت طرز لها جرحي القديم.. يوم اقبلت طرنا لها أنا وشوقي والنسيم).. كانت النساء يسمعن محمد عبده أيضا، والرجال.. حتى الجدران كانت تحب اللحن النجدي، وتحب الصحراء..

لم أعد أسمع صوت أمي وهي تنادي (رد الباب وراك يمه)، الأبواب في عمان لم تكن عنيدة مثل أبوابنا... كانت تقفل فورا، في الكرك الأبواب كانت تستعصي على.. الأقفال، فأبناء العمومة..كانوا كل يوم يزورون أبي، يتبادلون الحديث معه.

لم أعد أسمع صوت (البي بي سي).. ولا صوت محمود المسلمي وهو يصدح عبرها: (هنا البي بي سي.. والان مع نشرة أخبار الظهيرة يقرأها محمود المسلمي).. ولا صوت جدتي تنادي علي من خلف الباب، كي أحمل لها الطعام...

قلت أني عانيت من اختلالات في السمع، فأنا معتاد في الكرك أن أسمع ليلى تهمس عبر الهاتف لي وتضحك، ثم تقفل الخط، كانت أخطر مكالمة تلقيتها في حياتي.. كانت بالنسبة لي أخطر من الخط الساخن الذي ربط البيت الأبيض بالكرملين... حين اعتلى غورباتشوف السلطة... مازلت أذكر المكالمة... وكيف رف قلبي، وتعبيرا عن حالة الإنغماس في الحب.. ذهبت، وحلقت لحيتي مع أنه لم يكن لي لحية، ولكن ليلى حين قالت مرحبا..عمدتني رجلا تعلق بالهوى مبكرا..بقيت أكثر من شهر، وأنا بجانب الهاتف... كانت كلمة مرحبا تكفي...

لم أعد أسمع صوت (التطبيل).. على الطنجرة، وهم يقلبونها..ويتقاطر الأطفال في العائلة إليها...وثمة توجيهات صارمة من الأم، تتعلق بسخونة الطنجرة... وتنبيه الأولاد من حرارتها... نحن أصلا كانت النار تخشى أن تحرقها أيدينا... النار كانت تخجل من طفولتنا وتشتعل على مضض، وتحنو علينا...

لم أعد أسمع، صوت هاتف الجيران... والأم التي تصرخ على (محمود)، وتسأله عن صحته... وكيف هو العراق، ومتي سيأتي... ما زلت أذكر (ام محمود) التي تولد لديها هاجس أمني مبكر... فهي حين كانت تهاتف ابنها الذي يدرس في العراق، كثيرا ما كانت تتحفظ على الهاتف... وتختصر المكالمة في الدعوات لشعب العراق وجيش العراق...وذات مرة دعت محمود للذهاب إلى الجبهة...

قلت أني عانيت من اختلال في السمع حين جئت إلى عمان.. وما زلت للان أعاني، فالصوت في الكرك أجمل من غيره في كل الأماكن..

وتسألني يا صاحبي عن هويتي؟

Abdelhadi18@yahoo.com