يتحمس المعلمون لنقابتهم في هذه المرحلة لأن الأمر يتعلق بأمور مطلبية هي من الحقوق المشروعة لأي فئة، فالجميع يتطلع لأن يحصل على مزايا ترتبط بعمله، ولتحسين ظروفه المعيشية بشكل عام، ولذلك لا تعاني النقابة حالياً من مشكلة مع الجسد المهني الذي تمثله كما يحدث في نقابات أخرى، ولكن هذه الوضعية تحديداً تخفي وراءها الكثير من الكواليس.

نجوع معاً، أو نشبع معاً، هكذا كان تصريح ناصر النواصرة نائب نقيب المعلمين، ولأن التعبير في حد ذاته يصلح للمنابر لا للحوار السياسي فيمكن أن نخفف من نبرته لنضعه في صورة الشراكة في المغنم والمغرم، وكل تصريحات نائب النقيب الأخير تدفع للحكم بأنه يتملص من القاعدة التي أرساها هو نفسه قبل أشهر مع أزمة إضراب المعلمين، ولا يلتفت اليوم للمغرم الوطني الذي يتشارك فيه الجميع.

إعادة إنتاج الأزمة المنتهية سابقاً بتسوية ناجحة سعت الدولة لعقدها مع المعلمين يؤشر لوجود رغبة في اقتناص مكسب سياسي في موضوع مطلبي في جوهره، فليس ممكناً أن تطرح القضية النقابية المرتبطة أصلاً بحسابات مجردة يمكن جدولتها أو التفاهم حولها في وسط حالة من التسخين والتجييش، فالنقابة هي تجمع لمعلمي الأردن، وقوامها أساساً من موظفي الدولة، وما يمكن قبوله من نقيب يواجه تعنت القطاع الخاص أو استبداد أحد ممثليه، لا يمكن أن يكون أسلوباً للتعامل مع الدولة، وفي خضم ظرف صعب اقتصادياً.

المشكلة ليست بين الدولة والمعلمين، فكما أن الحكومة ليست هي الدولة، فإن النقابة ليست هي كامل جمهور المعلمين، وعلى الطرفين، وطالما أن الموضوع يتعلق بالوطن أن يحترم هذه الحقائق البسيطة لكيلا نصل إلى مرحلة يكون فيها المعلم في مواجهة المجتمع، وهو ما يمكن أن يحدث في ظل عملية التصعيد وتوجه الحكومة لإطلاق العام الدراسي الجديد بعد أسابيع قليلة، فالحكومة والنقابة من مكونات الدولة ولا يمكن لأي من الطرفين الهروب من دوره أو تجاهله.

لم تتم مكافأة الأطباء بالصورة اللائقة، وتعرض معلمو القطاع الخاص لكثير من الغبن، وبقي الجنود على مدار الساعة في الشوارع وما زالوا ينفذون انتشاراً ليلياً للسيطرة على حظر التجول، والمخاطر الوبائية لم تصبح جزءاً من الماضي، والتخوفات أمامها مشروعة بعد انتكاسات حدثت في العديد من الدول، وبعضها على مرمى حجر من الأردن، وفي وسط هذا المشهد كله يتحدث نقيب المعلمين عن العلاوة التي لم ينكرها أحد بالمناسبة، ولم تعلن الحكومة التراجع عنها، ولكنها، وكما حدث مع جميع موظفي الدولة أرجئت إلى بعض الوقت.

المفارقة أن النقابة وهي تتحدث عن تحالف طبقي يواجهها، تتناسى أن شركاءها في المغرم لم يستعملوا الضغط السياسي من أجل القضايا المطلبية، فالمعلمون والطلبة من طبقة واحدة، والحديث عن تحالفات طبقية يمكن أن يكون ذا قيمة إذا ما نقلت مسألة النضال النقابي إلى قطاع التعليم الخاص، أما التلويح بالثورة الاجتماعية والوقوف وراء مصطلحات مثيرة بأكثر مما هي حقيقية فالأمر يتطلب وقفة لتفكيك الخطاب الذي يقف وراء الاشتباك الراهن، فالشعبوية ليست الحل ولا يمكن إلا أن تنتج مزيداً من الاحتقان، وليس الوقت مناسباً للإحراج.

ليس من مصلحة أحد أن يواصل التصعيد تجاه الحلول الخشنة، والنقابة وبغض النظر عن مدى صواب القرار بوجود نقابة لموظفي الدولة من الأساس أصبحت أمراً واقعاً، ولكن ما هو ليس بواقعي أو مقبول أن تمارس النقابة التي تمثل المعلمين نفس الاستراتيجيات النقابية التي تتم ممارستها تجاه المصانع أو الشركات الخاصة، وليس مقبولاً أن تقوم الحكومة أيضاً بالتعامل مع الموضوع المطلبي بوصفه شأناً سياسياً، لأن ذلك سيعطي النقابة الصبغة السياسية، بل وسيشرع أن تصبح النقابة وصيةً على الحكومة، فتسأل وتحاسب وتتعدى على دور المؤسسات الأخرى مثل مجلس النواب والإعلام والأحزاب.

المعلمون جزء أصيل من الشعب الأردني قبل أن يمتهنوا التدريس، وجزء أساسي في تكوين الطبقة الوسطى الأردنية، وتحسين أوضاعهم المعيشية يفترض أن يدفع للارتقاء بالعملية التربوية والتعليمية، والعلاوة أصبحت حقاً مكتسباً من الناحية القانونية، ولكن لنفصل بين السياسي والمطلبي، فالسياسي يشير إلى معركة خاسرة بالنسبة للحكومة والنقابة معاً، أما المطلبي فيمكن دائماً التفاوض حوله، بالورقة والقلم وفي الغرف المغلقة، ليتمكن المجتمع من تجنب حوار ساخن ليس في الوقت أو الظرف المناسبين، وهو الحوار الذي سيترك ندوبه على الجميع، وحروب التصريحات والتسريبات ليست بالمنهجية المقبولة أو المسؤولة.

الجميع مسؤول أمام طلبة تحملوا أشهراً صعبة من الانقطاع عن التعليم ويجب على جميع الأطراف أن تسعى لاحتواء أزمة مطلبية والحيلولة دون تحولها إلى تأزم سياسي واجتماعي.