د.هداية الرزوق (كاتبة أردنية)

على غير عادته استيقظ باكراً، ربّما كانت الأصوات المنبعثة من عنق دماغه هي الهاجس الذي حدا به إلى الاستيقاظ، لم يكن يعلم أنّ النّوم هو الحدّ الفاصل بين الوهم والحقيقة، أدرك متأخّراً أنّ زفراتٍ كابوسيّة قد تودي بمستقبله نحو عوالم متأرجحةٍ بين كفّيّ مذنّبٍ مشتعلٍ في بقعةٍ من الوجود.

تثاءب بحدّةٍ صارخةٍ تفوق برنينها رادارات الإنذار، وأوجس في نفسه خيفةً من النّهوض، فاستدار يمنةً وألقى بقبضته الشّديدة على أنفه العريض داعكاً إيّاه كأنّما يريد قلب مزاجه الفاسد بضغطة أنفٍ قاسية.

جذب غطاءه نحو قمّة وجهه المتقشّر، وصوّب نظرةً ملتهبةً نحو هاتفه النّقّال، وتساءل في نفسه متملّملا: (شو في بوستات أعمَلِلها share على هَالصّبح!)، ثمّ تراجع عن مخطّطه العابث، واستدار إلى الجانب الأيمن فإذا بناموسةٍ تهمّ باقتراف جريمةٍ عقب سلسلة العنف التي مارستها مساءً، وإذا بنشاطٍ مفتعلٍ يسري في جسده، وإذا بأسنانه النّاصعة البياض تظهر برهةً وهو يقول بحنقٍ: (جيتي واللّه جابك.. هلكتيني طول اللّيل.. ربّنا ينتقم منك)، وإذا بكفّه ترتفع بضعة سنتمترات محسوبة بعنايةٍ هندسيّةٍ تعلّمها أيّام دراسته الجامعيّة، لتهوي على غريمة المساء، ولكنْ –فجأة- تتثاقل الكفّ وتتراجع ببطءٍ مدروسٍ وهو يقول بسخريةٍ: (إذا ضربتها مضطرّ أقوم أغسّل... روحي بحال سبيلك... ربنا كتبلك يوم جديدٍ).

ثمّ يستدير إلى النّاحية الأخرى فإذا بالسّاعة المعلّقة على الحائط تقابل وجهه، فيعيد سحب الغطاء طامراً وجهه هارباً من مقابلة الوقت الذي يدقّ في صميم أذنيه، وكأنّه يذكّره بأكوامٍ مكدّسةٍ من الواجبات... يغمض عينيه لكنّ أذنيه تدويان عقب كلّ دقّة عقربٍ في تلك السّاعة المهترئة، فيبعد الغطاء عن وجهه ويقرّر إيقاف هذه المهزلة ساحباً الكوب البلاستيكيّ الموضوع على الطّاولة الملاصقة لسريره، وباحترافٍ شديدٍ يرمي الكوب ليسقط هدفه البعيد ويعيد الصّمت إلى أرجاء الغرفة الصّغيرة قائلاً: (ما بدّي صوت فوضى من أوّل النّهار)، ثمّ ينقلب ثانيةً ليستلقي على ظهره فيتأمّل سقف الغرفة المتشقّق ويقول ساخراً: (النّصّاب أبو فتحي.. هاد الدّهان لا يعلى عليه.. هههه... ما كمّلناش السّنة يا محترم!).. ويدقّق النّظر بالسّقف فإذا بعنكبوتٍ صغيرٍ يتسلّل من بين الشّقوق، فتنبعث القشعريرة في بدنه ويقول بامتعاضٍ: (وإذا هبط علي هلّأ شو أسوّي.. لازم أقوم يعني؟! واللّه ما أنا قايم!)، ثمّ ينقلب بحركةٍ لولبيّةٍ استثنائيّةٍ وينام على بطنه مغلّفاً جسده بكامله تحت الغطاء!