الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم الاجتماع

تعتبر الأسرة مؤسسة اجتماعية لها أهمية كبرى في عملية التنشئة الاجتماعية، وقد أوكلت لها هذه المهمة بالفطرة والتوارث، فهي تمثّل نسقاً اجتماعياً يتكون من مجموعة من الأفراد الذين يتأثر كلٌ منهم بالآخر ويؤثر فيه، ويتكون هذا النسق من أنظمة فرعية في الداخل (الأب والأم، الأم والابنة، الأب والابن)، وفيها يكتسب الأبناء المعايير العامة التي تفرضها أنماط الثقافة العامة السائدة في المجتمع، لذلك فإنّ الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تؤسس لبناء شخصية الطفل بناء سليماً، وتهيئته ليتعلّم أبجديات الحياة.

إنّ أهم وأول مهام الوالدين هي القيام ببثّ الحبّ والحنان في وجدان أطفالهما، وهما يعتبران الدائرة التي تحيطهم بالرعاية والاهتمام حيث يمنحانهم المذاق الأول لجمال الحياة، ومعنى الشعور بالدفء والسلام، فإذا نما الطفل في بيئة تُشبع رغباته وتملؤه بالسعادة، فلسوف ينمو لديه الشعور بأنه يحظى بالتقدير، وعندما تزداد قدرته على الإدراك، فإنّ دائرة المشاعر تتوسع لديه ويصبح أكثر قدرة على تحقيق الثقة بذاته والإحساس بأنه عضو في فريق يدعمه ويؤازره.

لكنّ المصيَدة التي يَعلق فيها بعض الأهل تتمثل في مستوى الاهتمام والحنان المُقدّم للأبناء، وذلك بإعطائهم قدراً مبالغاً فيه من الدلال ومنحهم حرية أكثر من المطلوب دون تناسب مع تطوّر نموّهم وأعمارهم، وهم بذلك يخلطون بين مفهوم الدلال الزائد وبين إظهار شعور الحبّ والعاطفة، فالدلال الزائد لا يتناسب مع أسس التربية السليمة فهو نمط لا محاسبة ولا توجيه فيه للطفل في حال الخطأ، بل يقوم على الاستمرار في إيجاد المسوّغات والتماس الأعذار الدائمة تحت مظلّة أنه ما زال طفلاً لا يعي ولا يُدرك ما يفعل، وهم بذلك يحرمون الطفل من حقه بالتزوّد بآليات التمييز بين الخطأ والصواب، ما يؤدي إلى فقر الطفل بالقيم التي تعينه على تحديد اتجاهاته في الحياة، فيخرج إلى المجتمع بشخصية غير قادرة على التواصل مع الآخرين، دون احترام للمعايير الاجتماعية وانعدام التقيّد بأبسط قواعد التربية، وإنّ هؤلاء الأطفال الذين تمت تنشئتهم بطريقة خاطئة يكبرون وهم يتوقعون أن تُستجاب جميع رغباتهم وأمنياتهم مهما كانت مستحيلة من قبل القائمين على رعايتهم، كل ذلك بسبب منحهم وضعاً اجتماعياً وأهمية مبالغاً فيها.

وفيما يتعلق بالحبّ والعاطفة فإنّ الأساس فيهما ألاّ يكونان مشروطين، فهما يُقدمان للأطفال كما هما دون زيادة أو نقصان وفي جميع الأحوال سواء أصاب الطفل أم أخطأ، فمن الضرورة بمكان أن يشعر الطفل بالحبّ المغلّف بالأمان والتقدير، وذلك بسبب إحساسه الدائم بالحاجة للرعاية والتوجيه، فهو ما زال يتعلم ويكتشف أسرار الحياة، ويراقب تصرفات الوالدين ومعاملتهما له، ومدى التزامهما بتفاصيل الحياة وطريقة التفاعل مع معطياتها.

إنّ أكثر ما يميز شخصية الطفل المُدلل، أنّ محور اهتماماته يدور حول نفسه وتلبية احتياجاته، فيعيش غير آبه بمشاعر وعواطف الآخرين، وينمو دون إدراك لمعايير تقييم الأفعال وتصنيفها في خانتي الصواب والخطأ، وعندما يبلغ الطفل المُدلل مرحلة البلوغ، فإنّ تصرفاته تتضح وسلوكياته تتجلّى بتظاهره بإبراز محبته للآخرين من خلال فرض السيطرة عليهم دون تقديم يد العون لهم، فهو لم يعتد التعاون ولم يألف روح التضامن.

وقد يلجأ بعض الأهل إلى الدلال الزائد في حالة أن يكون الطفل وحيداً، أو منفرداً بالجنس في البيت كأن تكون بنتاً بين عدد من الصبيان، أو صبياً بين عدد من البنات، وفي بعض الحالات قد يلجأ الأهل لنمط الدلال الزائد بهدف تعويض الطفل عن مواقف القسوة في التعامل أو حالات الضرب التي يتعرض لها إثر خطأ ما قد اقترفه، فتغرق الأم أو الأب في حالة من الندم تدفعهم للإغداق على الطفل بمشاعر الحب والدلال المُدعّمة بالهدايا أحياناً، ما يجعل الطفل يربط بين مشاعر الألم ومشاعر العاطفة التي يُبديها الأبوين فتختلط لديه المشاعر، دون أن يفهم لماذا عُوقب بالضرب في الحالة الأولى ولماذا كوفئ بالحبّ والهدايا في الحالة الثانية.

حالة أخرى خطيرة تتمثّل بلجوء الأهل إلى الحلول السريعة وذلك من خلال تهديد الطفل بحرمانه من المحبة إذا ما أقدم على فعل ما، أو قيامهم بضربه وامتهان كرامته وتجريحه بمختلف الألفاظ، وكل هذه السلوكيات تمثل إجراء سريعاً للتعامل مع الطفل بسبب عدم توفر الوقت الكافي لتوجيه الطفل و توعيته ومتابعته، فتكون الممارسات السابقة طريقاً مختصراً بنظر الأهل لتقويم سلوك طفلهم الخاطئ، ويكبر حجم الخطأ بمحاولة سدّ الثغرة الحاصلة بمنح الطفل فرصة تحقيق ما يتمنى الحصول عليه للتعويض عن التقصير في حقه حتى لو كانت مطالبه أكبر من قدرتهما.

وفي ظلّ تسارع وتيرة الحياة اليومية لكثير من الأهل، وانشغالهم بظروف ومتطلبات العمل، فإنّ كثيراً من الأهل يعوّضون على الأبناء بتوفير الهدايا والمقتنيات، وهو ما يمثّل دلالاً ظاهرياً القصد من ورائه تغليف مشاعر الوالدين على شكل أشياء مادية مما يحتاجه أو لا يحتاجه الأبناء، وإنّ مثل هذه التصرفات تعطي للأبناء مفهوماً خاطئاً عن الحياة وطريقة نيل المطالب فيها، فيغدو التمني وسيلة متّبعة، ويكبرون دون إدراك لقيمة الجهد والسعي في التحصيل، وفي الصدام الأول مع واقع الحياة يجد هؤلاء الأبناء أنفسهم غير قادرين على الحصول على كلّ أو بعض ما يريدون.

يجب على الوالدين مساعدة الطفل على تحقيق أهدافه بنفسه، ويبدأ ذلك من خلال تكليفه ببعض المهام في البيت، كما يجب تعميق قيمة التعاون في نفسه ليشعر بنشوة الإنجاز، كما يجب الحرص على تعليم الأبناء مراعاة أعلى درجات الذوق والأدب اتجاه الآخرين، فكلمات مثل: لو سمحت ومن فضلك وبعد إذنك يجب أن تسبق طلبه حتى في تعامله مع إخوته، كما أنّ تخصيص وقت مستقطع من برنامج اليوم المزدحم بالأعمال والواجبات لمشاركة الطفل بشكل فردي ألعابه وهواياته، سيزيد من ثقته بنفسه، ويقوي رابطته بالوالدين، وإنّ تنظيم جدول أعمال لمهام اليوم موزعة على أفراد الأسرة يتضمن أوقات العبادة والدراسة وأوقات النشاطات والمساعدة في أعمال البيت، يساعد في إدراك الطفل لكونه عضواً في فريق يصنع وجوده فيه فارقاً، ما يُعلي من تقديره لذاته، ويزيد في انتمائه لعائلته، ويجعله أكثر إدراكاً لروح الجماعة، فيخرج للبيئة المحيطة مُحبّاً ومتعاوناً ومعطاء، فشخصية الطفل ونوع السلوك الذي يتخذه في الحياة يعتمد في النهاية على التربية السليمة وخاصة في سنوات عمره الأولى، فلنستثمر هذه السنوات، ولننشئ جيلاً تذوق معنى الانتماء والعطاء فيرده حباً وإخلاصا ً.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com