محمود جابر

(كاتب فلسطيني مقيم في ألمانيا)

هذا الصحو رديء، وهذه الدقائق الأولى بعد النوم غير مجدية أبدا، بل أشعر بها أحيانا خسارة كبيرة لحلم لن ترى تفاصيله مرة أخرى. كنت قد توقفت عن متابعة الأنباء العالمية منذ فترة، وخصوصا تلك العاجلة منها، لا أدري حقيقة كيف يمكنني أن أستفيد منها، لم يعطني مرة بائعُ الحلوى حلوى أكثر حلاوة جزاء متابعتي لها وتقصّيها، ولم تزد تلك الأنباء في يومٍ مرارةَ قهوتي إن كنت تفهمني يا قارئي العزيز.

بتُّ أشعر أن الوقت المهدور يعاقبنا بشحوحه، ألا نرى ذلك جليا؟! إننا نعيش أحيانا من دون وقت، نعيش في محيط لا وقت فيه! أشعر به شللا من نوع ما! أشبه بتوقف الساعد أو الساق عن الحركة، أو تنميل شديد القوة في المؤخرة، هذا الذي يستدعي بكاء شديدا دون بكاء، من شدة الألم أو بالأحرى من توقف الألم تماما! يصعب علي شرح ذلك لك عزيزي القارئ وأقول هذا آسفا، لكن الوقت يعاقبنا فلسفيا. هذا مؤكد. ألم نهدره كماء الصنبور المزهوق دون فائدة كل صباح؟ لقد كان ينزل باندفاع نافع دون أن نغسل به يدا أو وجها، نتركه منهمرا دون نفع على غير نيته في حين نطيل النظر في المرآة! إن الوقت حتما يعاقبنا بنهم فلسفيا، ومن لا يجيد حل طلاسم الفلسفة سيبقى قابعا في زنزانته يكتب على جدرانها هراء، هذا في حال سمح له بذلك أصلا!

لا نية أبيّتها لترتيب السرير. هذا مؤكد. نوعا ما أعشق هذا الفن التجريدي الذي يخلفه نومي كل صباح، هذه الأشكال الغريبة التي يكوّنها غطائي بتناغم مع الوسادة في حيز السرير هي مصدر إلهامي، كل طيّة أخذت وقتها الكافي لتطوى، وكل انحناءة ذرفت لأجلها حبات معدودة من التعب، النوم إبداع لا تعرف عنه الآلات البشرية شيئا!

لم تعد أخطاؤنا ترى بالعين المجردة، ليس لأنها تصغر، بل لأن العين المجردة لم تعد ترى جيدا، والبال بات مشغولا بشيب الرأس وعدد تجاعيد الوجوه والقمصان على حد سواء..

كورونا! اليوم في روزنامة المرض مجهول... عدد الإصابات مجهول... عدد الوفيات مجهول... عدد المتعافين مجهول.

ألا نتمنى للآخرين صباحا خيرا من غرفة العقاب هذه.. أو غرفة الاستراحة إن شئت تسميتها كذلك، أو «كوارانتين» إن كنت تحب «الكافيه لاتيه» بدلا من القهوة بحليب؟

بلى.

صباح الخير يا عالم، بكل لغاتكم الفخمة المتخمة بالألفاظ العامية.

صباح سريع العبور، كثير الأبخرة، قليل الدسم، بعدد وجبات إفطار لم تبلغ نصاب النهار أبدا حتى اليوم!

صباح آخر غريب الأطوار، فقدَ البوصلة منذ انتهى من دورة الكشافة التي ما تعلم منها سوى إيقاد النار، وقد نسي ذلك أيضا لكثرة ما طقطق بـ"القدّاحة».. صباحٌ متباهٍ قادر على تفريق أصابعه من المنتصف، السبابة الوسطى في واد، والخنصر والبنصر في واد آخر.. صباح متوسط المزاج والحلاوة، بموسيقى سريعة «الرتم»، يغنّي خلالها رجل بصوت مبحوح غليظ، كلمات لا علاقة لها بالحب من قريب أو بعيد.

صباح الخير أيها العالم، مع ابتسامة متكلفة تفضحها ملامح الصحو الرديء.

صباح الخير أيها الناس من أعلى جبل أو من أعمق واد، أو من أرحب سهل أو من منحدر تل، أو من شاطئ هادئ بحرُه، أو من على غصن شجرة وارفة تحجب الشمس عن أرض غابة.

صباح الخير بلغة الحيوانات والطيور، تلك الخالية من الألفاظ العامية، لمَ لا؟! صباح الخير زقزقة أو نهيقا أو صياحا أو هديلا أو عواء أو ثغاء أو مواء!

صباح الخير للخيرين، والبلهاء والمرضى والمجانين، ورغما عن أنوفنا للأشرار والجشعين والسامة أنفاسهم أيضا.

صباح الخير من غرفة العقاب هذه، أو ربما من غرفة الاستراحة إن كان ذلك مناسبا لك..