نهى القاضي (كاتبة مصرية)

كيف لنا أن نقع في غرام عصابة مسلحة؟ عجبا لقلوبنا! لماذا تغير مفهوم الحب لدينا؟ ألأننا لم نجد ما كان في خيالنا؟ الأنّ قصص الحب المعتادة تلك التي بدأت بنظرة وانتهت بسعادة لم تعد مقنعة لنا في هذا العالم الذي يعج بالحروب والأزمات؟ في النهاية كلنا نركض خلف شعاع الحب.. نراه في صدورنا وعقولنا حينما كانت «أبلَه فضيلة» ورفاقها في الإذاعة، يحكون لنا عن الشاطر حسن، (حواديت) صنعت بداخلنا نموذجا للخير وعلّمتنا أن الحب ينتصر في النهاية.

لكن هذا الجيل رغم نشأته السابقة، قرر فجأة أن يتخلى عن ذائقته الطفولية، ويختار مسلسلا إسبانيا منحته نسبة المشاهدة شهرة واسعة بالشرق الأوسط.. النقلة من «الشاطر حسن» إلى البروفسور اللص «ألفارو» تحتاج إلى تأمل ودراسة وتحليل.

عُرض «la casa de papel» للمرة الأولى في عام 2017 في إسبانيا، وذاع صيته في العالمين العربي والغربي بعد شراء شبكة «نتفليكس» حقوق عرضه. ويمثل المسلسل إنتاجا ضخما لواحد من أمتع الأعمال الفنية الإسبانية على الإطلاق، ذلك أنه كسرَ فكرة أن التشويق حكر على هوليوود والسينما الأميركية.

وتدور قصة المسلسل حول عدد من اللصوص المحترفين، الذين ارتكبوا ما أسموه «أكبر عملية سرقة في التاريخ»، باقتحامهم دار صكّ العملة، وطباعة أموالهم الخاصة (2.4 مليار يورو) بتخطيط مسبق ودراسة تفصيلية من زعيمهم «البروفسور»، الذي قضي عشرين عاما يؤسس لتنفيذ هذه الخطة، ويظل هو بالخارج للمفاوضة والمراقبة يدير العملية وينظم الأمور.

١١ يوما قضتها العصابة داخل دار صك العملة مع 67 رهينة، من دون إهدار نقطة دماء واحدة! وهذا وحده كان كفيلا بأن يجعل المشاهدين يقعون في حب أبطال المسلسل، بل ويتمنون التوفيق للعصابة! هذا هو منطق البشر الأسوياء في كل مكان.. كل الأخطاء تُغتفر إلا إراقة الدماء.

حظي المسلسل بالمرتبة الأولى لنسب المشاهدة في الفترة الأخيرة، وتهافت الجميع لمتابعة الجزء الرابع منه، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمنشورات عنه، وكذلك بأمنيات التوفيق للتشكيل العصابيّ الذي أطلق البروفسور علي كل عضو فيه اسم مدينة، وهذا الأمر هو الآخر كان له تأثير كبير في نسب المشاهدة لكون الفكرة جديدة وكل مدينة لها دلالة أو ذكرى لدى المشاهدين.

بالنسبة للتمثيل، فقد كان متقناً بدليل أنّ المشاهدين اتفقوا على عشق شخصيات محددة كـ «برلين» (بيدرو ألونسو)، والبروفسور العبقري (ألفارو مورتي)، و"نيروبي» الرقيقة (ألبا فلورنيس)، و"دينفر» صاحب الضحكة المميزة (جيمي لورنتي). وكانت بعض الشخصيات أنانية؛ كشخصية «طوكيو» (أورسولا كوربيرو)، وهي الشخصية الرئيسية التي تؤدي التعليق الصوتي في أغلب المشاهد، وشخصية «ريو» (ميغويل هيران) الطائش الذي تتحكم به مشاعره بشكل مستفز، وشخصية «أرتورو» (انريكي آرسي)، وكذلك العاشقة «راكيل» (إيتزيار إيتونو) التي تحولت من ضابط هدفها القبض على البروفسور إلى العاشقة الأكثر تيمناً وعشقاً وإخلاصاً له.

ويقول «ريتشارد كين» عن هذا الأمر، أن هناك أسباباً نفسية لتعلُّق الأشخاص الطبيعيين بالشريرين عموماً، فرغم أنهم لصوص وناهبون للمال العام إلّا أننا توحدنا مع فرحهم وآلامهم، وشعرنا بالحزن لموت «برلين» وزميلته «نيروبي».

ويمكن تبرير ذلك بأننا عندما نتعاطف مع شخص ما، فإننا نتقبل تصرفاته السيئة بخاصة إذا كانت ظروفه قد أجبرته على ذلك، كما هو حال تعاطفنا مع البروفسور عندما علمنا عن طفولته القاسية وظروف يتمه التى أودت بأبيه في إحدى عمليات السرقة عندما داهمته الشرطة وأطلقت الرصاص عليه.

وكذلك «نيروبي»، التي تعاطفنا معها لحرمانها من طفلها نتيجة سوء سلوك صدر منها، فكان العقاب قاسيا، بأن أخذت الدولة طفلها منها وأودعته دار رعاية، ووهبته بعد ذلك لأسرة حاضنة وحرمته من أمه. وهكذا، يبدو أن لكلٍّ من نجوم المسلسل وأفراد العصابة دوافعه المقنعة للقيام بجريمته.

فعندما نرى العالم بعيون الشخصية، ينتابنا شعور بتفهم دوافعها، وندعم –من دون وعي- أحقيتها في ممارسة أي تصرف، بخاصة عندما نحلل تصرفاتها فنكتشف أنها مرتبطة بعوامل خارجية أجبرتها على مثل هذا التصرف.

وقد برع مخرج المسلسل في دعم ذلك الشعور لدى المشاهد عن طريق استخدام زوايا close-up shots))، وهي زوايا تصوير قريبة جدا لإبراز تعبيرات وجه الممثل وتفاصيل ملابسه، فيشعر المشاهد أنه داخل المشهد.

كما استخدم المخرج ما يسمى (first personaration)، وهو سماع سرد الشخصيات على لسان أحد أبطال العمل الفني، كما فعلت «طوكيو» طوال الأجزاء الأربعة، وهو ما يجعل المشاهد يشعر أن الأحداث مر بها مجموعة من أصدقائه ويرويها أحد هؤلاء الأصدقاء.

ووفقاً لـ «كين»، فإن السبب الثاني لمحبتنا لهذا النوع من الفن يرتبط بالقاعدة التي تقول: «أيّ شيء نتعرض له أطول من اللازم نقع لا إرادياً في حبه».

فقد عُرض أربعة مواسم من هذا المسلسل، ومع توالي الأحداث يبدأ المشاهد بالتعرف على الشخصيات ودوافعها. وفي النهاية تجده ينحاز للتشكيل العصابي لكثرة ما يُعرض عليه حتى يصبح مألوفا لديه!

كما أن المظهر يجذب المشاهد، فلو كان اللص وسيما فإن التعاطف معه يزيد، ويجد المشاهد نفسه يخترع له أعذاراً لتبرير أعماله الإجرامية.

وعن انجذاب المشاهد للجمال والوسامة، يمكن استعادة مقالة «تولستوي": «إنه لأمر مدهش مدى اكتمال الوهم بأن الجمال هو الخير». فالعديد من الدراسات أثبتت بأن الشخص الذي يتمتع بوسامة يحصل على تقييم أعلى في ما يخص الذكاء والتقييمات الاجتماعية. واستخدام الجمال وسيلة يلجأ إليها صناع السينما لجذب المشاهد وإيقاعه في حب البطل الخيّر الوسيم. والأن تم تغيير هذه الاستراتيجية، فأصبحنا نحب البطل الشرير الوسيم.

كما استعان المخرج بإمكانيات أخرى، مثل الخطة المتقنة التي أعدها البروفسور، وسرعة البديهة التي يتمتع بها والتيي ساعدته في الخروج من المآزق. يضاف إلى ذلك الثقة بالنفس التي تصل إلى حد النرجسية أحياناً، مما يضع المشاهد في التباس بين الثقة بالنفس والكفاءة، فينجذب للبروفسور نظراً لهذه «الكاريزما» الطاغية.

ويعدّ السلوك العنيف للبطل وحبه في الانتقام، من الأسباب التي قد تجعلك تحب هذه الشخصية لما لها من «تنفيس» لرغبات شريرة قد تراودنا أحيانا، ولكن يمنعنا عنها نضجنا ومعرفتنا بالعواقب التي قد تحدث إذا ما أطلقنا العنان لأنفسنا في فعل ما نرغب به، وهذا طبقاً لنظرية التحليل النفسي التي وضعها «فرويد» عن الكبت، فالانتقام له مفعول السحر على المشاهد سواء أكان انتقاماً للنفس أو للغير. فعندما نرى هذا الانتقام مجسداً أمامنا على الشاشة نشعر بالسعادة وزهو الانتصار، خاصة إن كنا قد مررنا بمواقف جور وظلم مشابهة.

وأخيراً، قد يكون فقدان الثقة في العالم أحد أسباب حب الناس للأشرار الذين يريدون تغيير العالم، كما حدث في المسلسل. وكما يقول المخرج «ألفريد هيتشكوك": «كلما كان الشرير ناجحاً كان الفيلم ناجحاً!».