آخر الأسبوع - وليد سليمان

إنها متعة وبهجة وظاهرة جميلة شعبية.. بدأ بروزها منذ عدة أشهر.. وما زالت تُمارس بشكل كبير وملفت للنظر.. وهي عملية صنع وتطيير مئات الطائرات الورقية الملونة والمزركشة بكل الأشكال من أعلام أردنية ورسوم وأزهار وأقنعة وزخارف متنوعة في أعالي فضاءات هواء عمان.. لتحلق وترفرف بفرح غامر, خلال فترة المساء من كل عصر حتى وقت الغروب.

أمَّا السِّر في ازدياد حدوث هذه المشاهد البديعة مؤخراً في سماء عمان هو الضيف الخبيث «كورونا».. حيث لجأ المواطنون كبارًا وصغارًا شبابًا وفتيات لممارسة صنع وتطيير الطائرات الورقية للتغلب على ملل وقت الحظر والجلوس في المنزل أمام شاشات التلفاز والهواتف المحمولة.

أما بالنسبة للكبار من بعض الشباب والرجال ممن كانوا يشاركون أولادهم وإخوانهم بتطيير هذه اللعبة الجميلة فقد كان أيضاً من باب استعادة ذكريات الطفولة والصِّبا, وكنوع من أنواع المرح والسرور.

والمدهش ان العديد من الشباب الكبار في العمر ممن جلسوا طويلاً في البيت تفتقت أذهانهم عن مهنة جديدة مؤقتة؛ وهي صناعة الطائرات الورقية.. وتوزيع بعضها على بعض البقالات الشعبية أوعلى قارعة الرصيف لعرضها للبيع للآخرين ممن يرغبون, وذلك بسعر يتراوح ما بين دينار الى دينارين.

وفي تغيير جديد نسبياً منذ سنوات فقد تم استبدال الورق العادي بورق من النايلون الملون وبأخشاب رفيعة بدل خشب القصيب.. وتلك المواد الجديدة تُباع الآن في محلات القرطاسية وبعض المكتبات في عمَّان.

وفي هذه الفترة–العطلة الصيفية لطلاب المدارس- فقد ازداد إقبالهم على ممارسة هذه اللعبة الهوائية.. بينما قلَّ إقبال الشباب والرجال عن ممارستهم لها؛ بسبب عودة أكثرهم الى ممارسة مهنهم السابقة.

الطائرات الورقية قبل 70 سنة

وعن فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي حيث كانت لعبة الطائرات الورقية من أهم الألعاب الشعبية التي يمارسها الشباب في مدينة عمان المعروفة بجبالها السبعة, فقد ورد في ذكريات الأديب الشهير» عبد الرحمن منيف» مؤلف «سيرة مدينة عمان»:

لقد كان موسم الطائرات الورقية في عمان حافلاً إلى أقصى درجة, كما أنه يستمر وقتاً أطول من مواسم الألعاب الأخرى, إذ تظهر فيه البراعة وقوة الاحتمال وحجم الاستعداد, إضافة الى ان التفوق في هذا المجال شديد الظهور... فما أن تنتهي لعبة » القبع الصغير » وهي عبارة عن المشروع الأولي للطيارة, التي يمارسها الأطفال, وتشبه إلى حد بعيد من حيث توقيت ظهورها, طائر السنونو الذي يبشر بالربيع.. حتى تظهر الطيارات الورقية الكبيرة.

زيادة في الارتفاع

وحين تظهر هذه الطيارات في الجو كان العارفون يقولون: جاء أصحاب الكار وأصدقاء الريح.

ويظل الأمر هكذا بضعة أيام, وكأنها فترة اختبار مع زيادة الارتفاع التدريجي وأيضاً إسقاط بعض الطيارات الورقية المنافسة.

لكن مع كل يوم يمر تتقدم الطيارات نحو أماكن أعلى وفضاءات أوسع, إذ تنتقل من الملعب الصغير قرب اللاسلكي إلى نهاية مدرسة المطران وقد تصل إلى الحاووز الكبير في جبل عمان.

وخلال هذا التقدم لا بد من حذف عدد متزايد من الطيارات المعترضة أو المعيقة, وهكذا تسقط أو تفلت طيارات كثيرة.. كل ذلك يتم دون اشتباك، بل من خلال المناورة, ومن خلال بعض الإرشادات التي يسهل قراءتها, وبالتالي معرفة دلالاتها.. وبذلك يخلو الجو تدريجياً, حيث لا يبقى إلا بضع طيارات ورقية.

الطائرات الورقية في اللويبدة والنظيف

ويتابع منيف متذكراً بقوله:

وإذا كان الطابع الغالب على فترة الطيران هو الصراع والمشاكسة داخل كل حي, وبين الأحياء المتقاربة, وكان هذا يستمر طوال الفترة الأولى, وإلى أن يتعرف بتفوق عدد محدود من الطيارات... فإن الفترة الأخيرة من هذا الموسم يغلب عليها الاستعراض لانتزاع اعتراف الآخرين في مواجهة طيارات اللويبدة والقلعة وجبل النظيف.

وكان يتم في أغلب الأحيان حشد إمكانيات كبيرة من أجل تصميم طائرة من طراز متقدم لتدخل الاستعراض.. إذ كانت تلتقي كفاءات وجهود عدد من المتنافسين السابقين, وكان يجري توظيف المكتسبات التي تم إحرازها سابقاً لهذا الغرض.

فخيوط المصيص التي أمكن وضع اليد عليها, كمخلفات لطيارات ساقطة, وما تبقى من أوراق ملونة إضافة إلى شمع العسل والشمع العادي, كلها توظف لخدمة الطائرة الجديدة التي ستدخل الاستعراض في مواجهة طيارات أحياء عمان الأخرى.

وفي يومي الخميس والجمعة الأخيرين من موسم الطيران تبدأ الطيارات استعراضها.. فقد كان القادة يتفننون في مد الخيوط وفي جرها وأيضاً بالقيام بعدد من الألعاب الجديدة المثيرة, للدلالة على المهارة والفن.

وكان ذلك يجري وسط جمهور واسع شديد الحماس, يعرف كيف يتابع ويقارن مع تقديم ملاحظات قليلة وبصوت أقرب إلى الهمس, لأن هناك ربانين اثنين ماهرين يقودان الطائرة, واحد يمسك بالخيط, والآخر على بُعد بضعة أمتار يمسك بكبكوبة الخيوط الملفوفة بإتقان بالغ على قضيب خشب أو حديد قوي.

وإذا كانت مهمة الأول توجيه الطائرة, فإن الثاني يمد الخيط أو يلفه بمقدار ما تتطلبه الضرورة.. ويفعل ذلك دون أمر أو إيعاز, اعتماداً على حركة الآخر, وعلى مراقبة الطيارات المنافسة.. وكان ذلك يستمر حتى غروب الشمس.

واليوم الأخير هو يوم حافل, فبعد أن تبلغ البراعة ذروتها في ارتفاع الطائرة, وفي تهاديها ورقصها في الهواء, وسط المراقبة التي لا تهدأ لحظة واحدة, وبعد أن يفترض كل جبل أن طائرته كانت الأعلى, وكانت الأهم في هذا الاستعراض, وقبل أن تغيب الشمس, كان يطلق سراح هذه الطيارات كلها أو معظمها.

تحية وداع

وكانت لحظة إطلاق الطائرة حافلة بالمشاعر!!.. فما أن يتحرر القضيب من الخيوط, وينكشف عن عقدة في وسطه, مربوطة بإتقان وقوة, ويراها الجميع, كدلالة أخيرة أنه لم تبقَ خيوط إضافية, حتى يتقدم الكثيرون للإمساك بالقضيب, للمشاركة في توجيه الطائرة, وكأنهم يمنحونها أسرارهم الخاصة.

وبعد أن ينظر الجميع إلى وجوه بعضهم وإلى الطائرة في السماء, ففي لحظة مناسبة يصرخ أحد القائدين وبعض الأحيان الاثنان معاً: واحد.. اثنين.. ثلاثة.. ويفلتان قضيب الخيوط وكأنها أحست بالحرية والقوة بعد طول اعتقال.

وفي هذا المشهد الأخير تتعالى الصرخات والتصفيق تشجيعاً وتأييداً وتحية وداع.

فقد بدأت الطيارة الورقية مشوارها الخاص, إذ بعد أن كانت تدوم وتحوم في مكان واحد, مع ميل صغير في هذا الاتجاه أو ذاك, لا تلبث أن تحس بالمدى, فتبدأ رحلتها الجديدة, يتم ذلك الانسجام مع الريح

ولحظة بعد أخرى ترتفع الطيارات بعيداً.. وتبدأ بالتلاشي ثم بالغياب تماماً..الى سحاب..أو الى مأدبا.

مع غيابها, وأثناء عودة الأولاد إلى بيوتهم يكون الرهان الوحيد بينهم: هل واصلت الطيارات تحليقها إلى السبع بيار أم تجاوزتها إلى سحاب.. أو ربما تابعت الى مأدبا أو أكثر!!.