آخر الأسبوع - وليد سليمان تصوير: محمد القرالة

في المساء.. أن تمشي سيراً بالأقدام على أرصفة شوارع وسط البلد في عمان؛ تلك متعة جميلة فيها ترفيه عن النفس, ومتعة بصرية لكل ما تراه العيون من معروضات المحلات المتنوعة.. حيث يشعر المتجولون بانشراح النفس لمناظر السلع والتي يقوم أصحابها بإبرازها بطريقة فنية وهندسية. ومن تلك المعروضات والأماكن التي يتوقف عندها السائرون على أرصفة الشوارع هي أكشاك الكتب والمجلات وطريقة عرضها كلوحات فنية مبهرة.. تزيد من جماليات شوارع وسط البلد وبالذات شارع الملك فيصل الأول.. ومنها مثلاً كتب كشك سليمان الحوراني, هذا الذي يُعتبر أحد فروع الثقافة في عمان.

فسليمان الحوراني والذي عشق بيع الصحف الاردنية منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي ما زال صامداً مع عشقه الأبدي وهو عرض الثقافة على جمهور عمان من خلال الكتب هذه الأيام.

من أيام الصبا والشباب

كان قديماً أيام الصبا والشباب بائعاً متجولاً للصحف والمجلات وبعض الكتب الشهرية- مع البعض من باعة الرعيل الاول- وعددهم كان نحو ثمانية من مشاهير وقدامى بائعي الصحف والكتب في عمان.

سليمان الحوراني اشتكى مؤخراً من التضييق على كشكه وكتبه الثقافية التي يعتبرها بعض باعة الاكسسوارات من جانبه وبالقرب منه؛ من أنها «لزوم ما لا يلزم»!!!.

ويقول الحوراني لملحق الرأي «آخر الأسبوع»: هل تعلم انني في السبعينيات والثمانينيات كنت بعض الأيام أبيع من جريدة الرأي ألف نسخة!!!.

أنا الآن فأبيع الكتب من وقت العصر حتى منتصف الليل فقط, وهي عشقي ومصدر رزقي!!!.

هناك من موظفي الأمانة من يقول لي أرفع كتبك وضعها في صندوقك–أي داخل الكشك فقط-.

وكشك الحوراني ومنذ 45 عاماً ما زال يُزين بكتبه ذات الأغلفة والعناوين المدهشة بداية دخلة سينما عمان.. ومما يزيد من ألق شارع الملك فيصل وما يقابل كشك الحوراني في الليل هو تلألؤ الأضواء الملونة بحبال الزينة المتدلية من نخلات وشرفات المقاهي والناس الساهرين في هذه الأجواء المدهشة هذه الأيام.

الصحف القديمة في عمان

ويتذكر بائع الصحف الحوراني عن أيام الماضي الأصيل بقوله: كنت قديماً أتجول لبيع الصحف في عدة شوارع وأماكن من عمان مثل: شارع السلط (الملك الحسين), وشارع فيصل, وشارع الامير محمد (شارع وادي السير), وشارع أو طلوع الشابسوغ حيث كانت تتكاثر باصات الأجرة الذاهبة لجبل الحسين وجبل النزهة, ثم كانت فيه سيارات السفريات الخارجية الذاهبة بركابها الى الشام ولبنان.. فقد كان الركاب في شارع الشابسوغ يشترون الصحف بكثرة في هذا المكان الحيوي الضاج بالحركة قديماً.

صحف مصرية ولبنانية

وعندما كبر قليلاً صار الحوراني يحمل تحت إبطه جرائد أخرى لبيعها على الجمهور والزبائن مثل جريدة (المنار) اليومية الاردنية لجمعة حماد, والجرائد اللبنانية المعروفة مثل الصحف اليومية كالحياة والانوار والنهار, والصحف المصرية مثل الاهرام والجمهورية والاخبار والمساء.

الصحف في السينمات والمقاهي

وعن الصحف الاخرى من الجرائد والمجلات التي كان الحوراني يتعامل معها بيعاً قديماً فقد ذكر مثلاً من المجلات اللبنانية: الصياد والرواد. والمجلات المصرية مثل روز اليوسف وصباح الخير والمصور وآخر ساعة.

ثم يستدرك أيضاً بقوله: وكذلك مجلة (الدبور) اللبنانية الشهيرة ذات الشعبية الكبيرة حيث كان القراء يتلهفون لصدورها اسبوعياً لشرائها وقراءتها لأنها كانت مجلة مختلفة, حيث هي مجلة ساخرة وناقدة, وفيها الكثير من الرسوم الكاركاتيرية.

وكان سليمان يبيع اكثر من 25 عدداً منها اسبوعياً وتلك حصته الاسبوعية فقط.. وكان اكثر زبائن هذه المجلة من رواد (مقهى المنشية) الكائن قرب سينما البتراء وسوق اليمنية, حيث كان يجلس فيه أشهر التجار وموظفي الدولة.. وكان ثمن هذه المجلة الدبور فقط (5) قروش.

جريدة الصريح

أما في ايام الاثنين من كل اسبوع فقد كانت تصدر جريدة اردنية اسبوعية اسمها (الصريح) لبندلي العيسى حيث كانت جريدته اليومية فلسطين تعطل في هذا اليوم, لذا فقد كان يصدر بدلاً منها تلك الجريدة الاسبوعية.

وكلاء التوزيع

ويحدثنا الحوراني عن وكلاء توزيع الصحف والمجلات قديماً في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ومنهم مثلاً: مكتبة البوري (المكتبة السعدية) الواقعة في شارع الامير محمد بعد البريد, وكان مؤسسها جورج البوري ومن بعده اولاده سمعان وسامي ونبيل وسمير وكلاء لتوزيع جريدتي الحياة والديلي ستار اللبنانيتين في عمان, كذلك وفيما بعد الصحف الاردنية مثل الرأي والدستور والشعب.. ثم مكتبة البسطامي (مكتبة طلال) وكان صاحبها سري البسطامي يوزع الجرائد اليومية على بعض الباعة والمكتبات الصغيرة الاخرى وبعض السفارات والشركات.

اما الموزع ابو اكرم فكان مقره في اول مدخل سوق الصاغة مكان صالون شقير حيث كان يوزع جريدة الدفاع لصاحبها الشنطي ومجلات الدبور والصياد وصباح الخير وروز اليوسف.. ثم أخيراً وكالة التوزيع الاردنية لصاحبها رجا العيسى حيث كان يوزع كل المجلات والصحف القادمة من خارج الاردن من دول عربية وأجنبية.

عند محلات فيليبس

وعندما كبر الحوراني في العمر اتخذ له مكاناً يبسط فيه بعض جرائده ومجلاته وكتبه في أواخر مرحلة الستينيات عند (محلات فيليبس) للأجهزة والأدوات الكهربائية قرب دخلة سينما عمان بشارع فيصل.

وأخذ يبيع الكتب الثقافية والروايات الشهيرة مثل كتب نجيب محفوظ ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبدالله, حيث باع آخر مؤلف له وهي رواية كانت بعنوان (رواية لم تتم)!! وكان ثمن النسخة من هذه الروايات (15) قرشاً. ومنذ منتصف السبعينيات اتخذ الحوراني مكانه الدائم عند مدخل سينما عمان وما زال, حيث كان يبيع عدا المجلات والجرائد مثلاً روايات الجيب والالغاز البوليسية للكبار, وأخرى خاصة للصغار, وروايات الهلال والروايات العالمية من مصر ولبنان.

مع الشخصيات والمؤسسات

ومن زبائن بائع الصحف والكتب الحوراني قديماً يذكر لنا الاسماء والمؤسسات التالية وذلك حسب ما جادت به ذاكرته عن مرحلة منتصف الستينيات وأول السبعينيات كالسفارات والتي كانت اكثرها تقع في جبل عمان.. ومؤسسة عالية في مطار ماركا.. وزهير وزهدي وسعيد ملحس.. ورياض المفلح.. وعائلة شاهين.. وشحادة الطوال.. ومحمد علي رضا وزير مالية سابق.. ونادي الملك الحسين.. وفندق ستي.. ورزق البطاينة وفؤاد مالك مدير سكة الحديد.. ويرسل أحياناً الجرائد لبيوتهم وأماكن عملهم.

في شارع فيصل

وبسبب طول المدة التي عايش فيها الحوراني هذا المكان شارع فيصل ودخلة سينما عمان فقد سألناه عن ذكرياته القديمة وأي زمان كان أفضل الماضي أم الحاضر؟! فأكد:

لقد كان شارع الملك فيصل قديماً أجمل وأكثر راحة وحيوية وألفة لان سير السيارات فيه كان خفيفاً دون أزمة ولا اشارات ضوئية.. وكان الشخص يسير فيه بكل راحة ومتعة وحرية فلا ازدحام من الناس أو المركبات, رغم ان بعض السفريات الخارجية كانت تنطلق من هذا الشارع حيث كراجات (مكاتب سفريات) سيارات الضفة الغربية الى كل من القدس ونابلس وأريحا مثلاً.. بينما كانت السفريات الاخرى تقع في دخلة المكتبات عند الجامع الحسيني حيث السفر الى الزرقاء واربد والكرك والمفرق مثلاً.. ولم يكن في الاردن في فترة الستينيات سوى (700) سيارة أجرة على ما أظن!!.

وعن سينما عمان التي لا تبعد عن كشك الحوراني سوى (20) متراً تقريباً قال: قديماً كانت لهذه السينما شعبية كبيرة ورواد كُثر, وكانت تعرض وبكثرة الافلام العربية كأفلام فريد شوقي ورشدي أباظة وغيرهم.. ثم الافلام الاجنبية كالافلام الحربية عن الحروب العالمية.. وكانت أفلاماً مشوقة حقاً.. حتى في بعض المرات كانت تنفد التذاكر لتباع بالسوق السوداء بثمن أغلى من ثمنها الحقيقي, وكثيراً ما شاهدت الافلام السينمائية فيها قديماً وبالذات أيام الشتاء.