الرأي - رصد

لطالما تبادرت الصورة النمطية التي اتخذتها مسارات أقدام الديناصورات على شكل قوالب محفوظة فوق طبقات الأرض الصلبة إلى أذهان الناس، ولكن ماذا لو كان هذا الديناصور يمر عبر الوحل، وغرقت قدمه عدة بوصات -أو حتى غاص إلى كاحليه- في الأرض أثناء تحركه؟

في دراسة جديدة نشرت نتائجها في دورية "بيولوجي ليترز" (Biology Letters) في الأول من يوليو/تموز الجاري، قام علماء من جامعة براون الأميركية بتتبع الكيفية التي يتحرك بها الدجاج الغيني عبر ركائز مختلفة من الأرض. وذلك في محاولة منهم لفهم السجلات الأحفورية التي خلّفتها الديناصورات بشكل أفضل.

أنماط الحركة المتشابهة

يمتاز الدجاج الغيني (Guineafowl) بعدم قدرته على الطيران وبأقدامه ثلاثية الأصابع والتي تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في الديناصورات غير المحلِّقة ذات القدمين.

وجد العلماء أنه بغض النظر عن تباين ركائز الأرض أو تباين السرعات التي تتحرك بها الطيور ومدى غوص أقدامها إلى أعماق مختلفة، فإن لأقدامها الحركة ذاتها.

وتبدأ ببسط أصابع القدم عند دخولها إلى سطح الركيزة ومن ثم تمدد هذه الأصابع كلما انغمس القدم أكثر داخل الركيزة. والتي ما تلبث أن تنكمش مرة أخرى للوراء بمجرد رفع القدم عن الركيزة. وهو ما يخلف نمطا متكررا أثناء حركة الطيور.

بمطابقة هذه النتائج على الديناصورات، فإن مسارات الديناصورات المتحجرة التي تبدو أنها متمايزة عن بعضها البعض -وعزيت في السابق إلى أنها أنواع مختلفة من الديناصورات- قد تكون لنوع واحد من هذه الديناصورات.

تشرح مورغان تيرنر، قائدة هذه الدراسة هذه الحركة، فيما نقله عنها موقع "ساينس ديلي" (ScienceDaily) قائلة "أينما كانت هذه الحركة فوق سطح الأرض أو تحته، فإن هذه الكائنات تتفاعل مع ركائز الأرض اللينة بطريقة متشابهة، والتي تنتج عنها أنماط للحركة يمكننا اقتفاؤها ومقارنتها بشبيهاتها من الديناصورات".

اختلاف الحركة باختلاف العمق

استخدم العلماء تقنية التصوير ثلاثية الأبعاد بالأشعة السينية المطورة لفهم الكيفية التي تتحرك بها العظام والعضلات داخل أجسام الكائنات الحية.

كما حاول العلماء بناء ركائز من بذور الخشخاش لمحاكاة الرمال حتى يسهل تصويرها مع إضافة كميات مختلفة من الطين والماء لمحاكاة الواقع.

مكّنتهم هذه التقنية من اقتفاء حركة الدجاج الغيني عبر ركائز مختلفة الرطوبة والتماسك، ومن ثَم دراسة المسارات والأنماط التي خلّفتها هذه الحركة.

الدجاج الغيني يبسط أصابع القدم عند دخوله إلى سطح الركيزة (يوريك أليرت – جامعة براون)

لاحظ العلماء وجود نمط حلقي متسق، إلا أن هذه الحلقات لا تعني شيئا من تلقاء نفسها، لذا قام العلماء بتقسيم مسارات الحركة الموجودة على أعماق مختلفة من الركائز ودراستها.

وهنا تمكن العلماء من "الربط بينها وبين الحفريات" كما يقول ستيفان غاتسي المؤلف المشارك في الدراسة.

تضيف تيرنر أننا "لا نعرف الكثير عن تصرفات هذه الديناصورات ولا عن الركائز التي كانت تتحرك عليها أو مدى ضخامة هذه الكائنات، لكننا تمكنّا من بناء علاقة قوية بينها وبين الدجاج الغيني، إثر تتبع مسارات تلك الحركة عند الأعماق المختلفة".

تنوع المسارات وتباين الكائنات

تمكن العلماء من الوصول إلى فهم أفضل للكيفية التي كانت عليها مسارات الديناصورات من خلال التعرف على أنماط الحركة ونقاط دخول القدم وخروجها عبر الركائز المختلفة.

وهو ما دفع غاتسي للقول "ينتهي الأمر بتوليد تنوع كبير لمسارات الأقدام الناتجة عن شكل قدم واحدة بسيطة، ذلك لأننا كنا نأخذ عينات مختلفة لمسارات حركة الأقدام المعقدة عبر أعماق مختلفة".

ويضيف "هل يعني ذلك أننا أمام 40 نوعا مختلفا من المخلوقات، لكل منها قدم مختلفة الشكل أو أننا ننظر إلى القدم نفسها وهي تتفاعل بشكل معقد مع الركائز المختلفة مخلفة وراءها تلك الآثار التي تحمل في طياتها بعضا من الشكل التشريحي وبعضا من العمق وكيفية الحركة التي اتخذتها تلك الأقدام؟".

لذا يعتقد العلماء أنه من الممكن أن تكون نصف المسارات الموجودة في متحف بينيسكي للتاريخ الطبيعي في ماساتشوستس، والتي قدرت بكونها لأكثر من 100 حيوان مميز، أنها مسارات للديناصورات ذاتها، كانت قد تحركت بطرق مختلفة أو جمعت عينات مساراتها من أعماق مختلفة.

وتأمل تيرنر أن يمنح بحثها "عدسة مكبرة للعلماء من أجل تدقيق النظر في اقتفاء آثار تلك الأقدام وتقدير ما تحفظه في باطنها من معلومات عن حركة تلك الأقدام".