... في آواخر الثمانينات، كنت طالبا في المدرسة، كانت هوايتي التسكع في البلد ومن ثم العودة... أتذكر أن الشتاء كان قاسيا يومها، وقررت المشي باتجاه وادي صقرة فهنالك سيأتي الباص... ويقلنا نحو المدينة الرياضية.

أنا أعرف البلد جيدا، بالرغم من قدم المكان واتساعه.. إلا أن قلبي كان أكثر اتساعا، وروحي كانت أقدم من الجدران.. وكنت أحتمل البرد والحياة، فمازلت صبيا يحب.. (الهرايس) والمشي، والتأمل في عيون البنات... وسرقة ابتسامات عابرة من وجوه، سائحات مررن بالمدرج الروماني للتو...

كان المطر جامحا مثل الخيل، وأمامي يمشي رجل في أول الستينيات من العمر، يرتدي (فروة) ويحمل عصاة، وكيسا مليئا... لم أعرف محتوياته، لكنه كان ثقيلا... يمشي على طرف الرصيف وليس بمحاذاة أبواب الدكاكين، وكلما مرت سيارة تقوم برشقه بالماء المتجمع في زوايا الإسفلت، وهو يقف ويرفع عصاه ويشتم السائق..شتائم بذيئة جدا..

كنت أسأل نفسي لماذا، لا يمشي بمحاذاة الأبواب مثلي ولماذا يصر على طرف الرصيف أو الشارع؟.. لم أعرف ولكن كلما مرت سيارة، صدحت الشتائم.. هي ذات الشتيمة لا تتغير.. وذات الضحكة أطلقها.

موعد الباص في الثامنة، وكلما نزلت للبلد...وهممت بالصعود نحو وادي صقرة أجد نفسي على موعد مع (ابو فروة)... وأمشي خلفه، والمشكلة أن بعض السائقين يسمعون الشتائم ويقفون.. بعضهم يعتذر، وبعضهم يرد الشتيمة... وبعضهم يضحك، ثم يغادر...

أخبرت أصدقائي من رفاق السوء بالقصة، وصرنا كلما قصدنا البلد ننتظر (أبو فروة) ونمشي خلفه، ونضحك... والغريب أنه أمضى الشتاء دون أن يتطور قاموس الشتائم لديه، ودون أن يتغير (الكيس) الذي يحمله.. وحين نصل موقف الباص ننتظر، وهو يظل يمشي.. يمشي صاعدا.. ولا أعرف إلى أين يذهب أو يصل.

صارت قصتي مع رفاقي حين ننزل للبلد، التوقف عند (ابو الشكر) من ثم شرب السحلب وأكل الهرايس، بعد ذلك شراء اخر (كاسيت) لعمرو ذياب والتسكع قليلا في البلد، ومن ثم انتظار (ابو فروة).. بمحاذاة بنك القاهرة عمان، والمشي خلفه.

أنهينا المدرسة، أنا وأصدقائي.. وكبرنا، وظلت الأسئلة عالقة بأذهاننا، من أين يأتي (ابو فروة) وإلى أين يذهب وماذا يعمل؟.. لم نحصل على إجابة.. كل ما كنا نحصل عليه هو الشتائم التي يوجهها للعابرين بسبب ومن دون سبب.

منذ أزمة كورونا لم أزر البلد، والبارحة تذكرت (ابو فروة) وقررت أن أستعيد طفولتي.. وأمشي بذات المكان الذي كان يمشيه، أعرف أن الشارع تغير.. والزمن والأيام.. وأعرف أني أنا تغيرت أيضا ولم أعد طفلا، وأصدقائي كلهم غادروا الأردن، لكن الذي لفت انتباهي.. هو (فروة) معلقة.. عند أحد المحلات المتخصصة، ببيع الألبسة التراثية.. حين رأيتها ضحكت، قلت في داخلي: يبدو أن الرجل قرر أن يترك لي ذكرى في هذا المكان..

منذ (30) عاما وأنا أسأل نفسي من أين كان يأتي وإلى أين كان يذهب (أبو فروة) ولم أعرف!.. ولكنه ترك الذكريات وصدى الشتائم يعود إلى أذني كلما عبرت ذاك الطريق..

Abdelhadi18@yahoo.com