لن يكون كتاب «الغرفة التي شهدت ما حدث» لمستشار الأمن القومي الأميركي المعزول جون بولتون آخر محاولات التشريح الجراحي التي تخضع لها إدارة الرئيس ترمب الجدلية وهي توشك على توديع عامها الرابع وربما الأخير في البيت الأبيض.

فقد سبق لمسؤولين من الصف الأول في فريق ترمب المتغير دائما وخلال ثلاث سنوات ونيف سابقة مثل وزير الدفاع «جيمس ماتيس» وكبير موظفي البيت الأبيض «جون كيلي» ومديرة الاتصالات اماروسا نيومان والناطق الصحفي «شين سبايسر» وغيرهم أن نشروا آراءهم حول إدارة ترمب بعد مغادرتهم القسرية لمناصبهم إثر خلافات مع الرئيس نفسه.

تجاوز عدد الكتب بالانجليزية التي تناولت ترمب حتى الآن الـ 4000 كتاب، ويمكن القول إن إصدار كتب كيدية أو ناقدة لرئيس ما يزال في منصبه مثل ترمب هي ظاهرة تكاد الولايات المتحدة أن تنفرد بصدارتها على الساحة الدولية، وتحمل معاني وأبعادا هامة يجب ألا تفوت كل من يحاول فهم سياسة هذه الدولة المؤثرة في احداث ومشاكل العالم المعاصر.

إذ تكشف هذه الكتب الكثير من المعلومات والتفاصيل التي لا يعرفها الناس العاديون حتى في أميركا، والتي تعتبر في بعض الدول من أسرار الدولة وتعاملها كوثائق سرية للغاية، لا تزاح الستارة عنها الا بعد عقود طويلة من الزمن. لكنه وجه آخر حقيقي لأميركا، ومبني على مبدأ أساسي يتعلق بحرية التعبير عن الرأي بكل وسيلة ممكنة حتى على حساب مبدأ العدالة وهيبة الدولة أحياناً..!

نحن في هذه المنطقة من العالم لا نتفق طبعاً مع توجهات الولايات المتحدة وسياستها ازاء قضايانا الكثيرة الشائكة، وخاصة القضية الفلسطينية التي تنظر إليها إدارة ترمب بالذات بمنظار عقائدي يتعلق بنبوءات توراتية بحتة تتلاشى أمامها أهمية آية اعتبارات اخرى سواء كانت جغرافية أو سياسية أو تاريخية أو إنسانية، وتصب كلها في صالح إسرائيل على حساب الحقوق والمطالب العربية الفلسطينية المشروعة!

لكن لماذا يلجأ المسؤولون الكبار السابقون وخاصة من يغادر منهم وظيفته مكرها إلى نشر غسيل ما يحدث خلف جدران البيت الأبيض؟

هناك من يقول إن الهدف هو الشهرة التي يبحث عنها الجميع والتي من خلالها يحقق الساعي لها مكاسب مالية كبيرة عن طريق دعوته لالقاء محاضرات، في مؤسسات هامة مقابل مبالغ خيالية. وهناك من يدعي أن الكاتب يريد قول الحقيقية كما يراها ووضعها في متناول المواطن العادي لكي يتخذ قراراته الانتخابية على ضوئها وبحرية كاملة. وفريق ثالث يعتقد أن إصدار مثل تلك الكتب يقع في خانة تصفية الحسابات الشخصية بين صاحب الكتاب وبين الرئيس الذي طرده من الخدمة!

لو أخذنا «جون بولتون» كمثال علينا أن نتذكر أن هذا الرجل كان وما يزال من أكثر السياسيين الأميركيين تطرفا وتشددا ازاء بعض القضايا الدولية مثل كوريا الشمالية والعراق وإيران وفنزويلا وغيرها، ولقد لقّب ب «جون المشاكس» ووصفه مسؤول حالي في إدراة «ترمب» بأنه كان يتصرف كأحد «أمراء الحرب»، لا شاغل له إلا السعي لضرب وتدمير كل أعداء أميركا بالقوة العسكرية حسب تصنيف «بولتون» للاعداء، في الوقت الذي يعتبر الرأي العام العالمي «ترمب» رئيساً متهوراً وعديم الخبرة يسعى لافتعال الخلافات والأزمات مع الدول الاخرى بمن فيهم الحلفاء التقليديين، لكن بدون خوض حرب مفتوحة!؟ ومع ذلك نصفق لهذه الصفعة التي وجهها «بولتون» لرئيسه السابق ترمب!

على ضوء هذه المعطيات يطرح السؤال: كيف يمكن فهم المعادلة التي تعطي حرية التعبير عن الرأي الأولوية لدرجة عجز البيت الأبيض عن منع نشر كتاب «جون بولتون»، في الوقت الذي يفشل فيه المجتمع الأميركي في الاعتراف بأبسط حقوق الإنسان لسكان البلاد الأصليين من الهنود الحمر والأميركيين الملونين بعد عقود طويلة من التواجد في نفس البقعة الجغرافية التي يصفها البعض بأرض الأحلام؟