سليم النجار

(كاتب وناشر أردني)

زمان رواية «ملحمة الخلاص في عالم موبوء» للكاتبة لمى عذاربة (الصادرة عن دار هبة ناشرون وموزعون/ عمان، في ١١٢ صفحة من القطع الصغيرة) ومكانها؛ هما ماض قريب بعيد الحدث قريب «زمن الكورونا»، والحكاية بعيدة موغلة في نفس بشرية تصلح على أن تكون أنموذجا لإنسان العصر، فكانت هذه الشخصية ضحية النّسيان والتّعويض، من أجل عدم تكرار «الملهاة الإنسانية»، «انا.. ليس أنا.. ليس هذا الدواء الذي إذا تجرعت مرارته وصلت إلى بر الأمان» (ص٧١).

المكان دَفقُ الحكاية وهي تنمو وتلتفُ ارتدادًا حول محورها، يستدعي الوقائع الرّابضة في الأعماق المعتمة كفوانيس تضيء حاضر الحكي فتنجلي الخبايا وتكون معتمة الكشف في المنعطف بعد المنعطف؛ «هل الأرض كانت بحاجة إلى هذا الصمت بعد ضوضائها؟ أم هذه الأرض سقطت محمومة على سرير المرض؛ ويحاول العالم أجمع أن يجعلها تصح وتتداوى؟!» (ص١٤).

والزّمانُ رحلةٌ؛ بل حيوات تتعانق وتتنافر، تلتحم وتنفصل، فاتحتها أيام جائحة الكورونا المنفلتُ ومنتهاها فاتحة حياة جديدة، ميلاد موقف وسفر إلى رحلة التمرد؛ «إنني في مواجهة نفسي الجديدة ذاتي التي انقلبت؛ أنا لم تعد تلك الأنا السابقة» (ص١٠١).

والرّحلةُ من ضوء إلى قتام تمضي، ومن قتام إلى ظلام أحمر قانٍ، موتى يوصون بالحياة وهم يروْن جوهر الحياة؛ يندمون على الخطايا ويرجون لو تعد بهم إلى الحياة أقدارٌ ليعدّلوا الأختبار. «ربما أكثر ما يؤلمنا بالمجهول هو جهلنا التعامل معه والتكيف بوجوده» (ص١٦).

اما الذين يطلبون ظلام الحاضر وحرائقه الآن وغدا؛ فهم ضحايا ذلك الماضي؛ بل صنيعته الغافلون عن وضعهم البشريّ أو شرطهم الإنسانيّ.

هو/ القدر/ الخطيئة؛ وإن سها عنه البعض ورامّ عنه جبنا ويُطلان كيان عفلةً ودناءة طبْع؛ «اختلاف عنا؛ فنحتاج وعيا ونضجا بأنفسنا وبه حتى نستطيع من إقامة علاقة حقيقية وصادقة ومستمرة وتحمل وتضفي على وجودنا معنى» (ص٩٦).

مسمار آخر يُدقّ في جدار القصّ؛ وحبالٌ تشدّ إليه؛ وأنفاس تلهثُ أرواح توشك أن تنطفئ اختناقا. والأملُ؟ خلاص مفتوح على المُمكنات؛ احتمال ينمو ويضمر في ثنايا الحكاية باستمرار؛ «أعدت شريط حياتي راجعت كل ما مضى في سبيل أن أجد طرف خيط يدلني على بداية الطريق ولكنني كذلك لم أجد شيئا لم تكن حياتي سوى حياة اعتيادية كما المعظم في مجتمعي» (ص٧٤).

يبدو الخطاب الرّوائي لرواية «ملحمة الخلاص في عالم موبوء» للكاتبة لمى عذاربه، الساخر ضمن هذا المستوى خطابا إيهامية؛ يوهم بالأمر ونقيضه؛ أيُّ الصّوتين المتن أو المركز؛ وأيُّهما الهامش؟ أنحن إزاء مرافعة تسمح ببعض القصّ أم إزاء قصّ يسمح ببعض المرافعة؟ هذا ما سنترك للقارئ إكتشافه.

ورغم ذلك يمكن القول أن القص الهازل يتسرّب بين أعطاف المرافعة؛ والمرافعة يُخرجها ذلك القص عن حدودها نحو السّخرية والألم. فكلاهما ملتبس بالآخر تلبس العامل النحويّ بوظيفته؛ حتّى أن غريماس يعتبر النّصّ القصصي - في هذا السياق - جملة كبيرة ينهض فيها العامل الروائي - هنا تتحول الجملة القصصية إلى روائية بفعل توظيف السخرية كحكاية وليست لقطة عابرة في سياق فكرة، فالسارد والكاتبة لمى يسيران كلُّ منهما في منعطف مضادّ للآخر. ذلك أن الأحداث في الرّواية تجري لا بما يشتهي الرّاوي؛ بل بما تريد المؤلفة؛ مما يجعل العمل الرّوائي لا يبرح بنية الوجع. الضحية في الرّواية ليست ضربا من المخاتلة التي تجعل قصّتها تلك مجرّد دالّ لمداليل شتّى.