عقود المشاريع الانشائية تكون ثنائية الأبعاد بين طرفين أساسيين وهما المالك والمقاول، الذي يقوم بتنفيذ بنود وثيقة العقد التي تتكون من المواصفات، وجداول الكميات، والمخططات الهندسية، والشروط العامة والخاصة، ولكن هناك دورا محوريا ايضاً للشركة الهندسية الاستشارية المصممة للمشروع في الإشراف على تنفيذ المشروع والتي يطلق عليها «المهندس» Engineer.

وقبل البدء باعمال التنفيذ من قبل المقاول، تقوم الشركة الهندسية المشرفة على المشروع بتسمية ممثلها، الذي يطلق عليه لقب Engineer ويكون في الغالب مدير المشاريع في تلك الشركة، حيث تعطي له الصلاحيات بناء على كتاب معتمد من كاتب العدل، نظراً لما تحمل صلاحيات المهندس من تبعات قانونية واخلاقية ومهنية اتجاه المالك والمقاول. ومن ثم يقوم المهندس Engineer بتفويض بعض من صلاحياته إلى المهندس المقيم «Resident Engineer» في المشروع والذي يقود عملية الاشراف بشكل يومي day to day operations، وتتبع له جميع طواقم الإشراف الهندسية في الموقع. صلاحيات كل من المهندس أو المهندس المقيم تكون معرفة ضمن نطاق عقد المقاول، وتكون مستثناة من الموافقة على التمديد الزمني للمشروع او التغيير في بنود العقد، أو الأمور المالية، إلا بموافقة مسبقة من المالك، وذلك حسب اتفاقية وشروط العقد بين الاستشاري والمالك. وهذه العلاقة بين المالك والمقاول من جهة، والمالك والشركة الهندسية الاستشارية المشرفة على المشروع من جهة اخرى، ودورها في عملية الإشراف على تنفيذ الأعمال، محكومة بقوانين ضمن عقود متعارف عليها عالمياً، ومستنسخة في جميع دول العالم استنادا على ما يتم إصداره من الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين International Federation of Consulting Engineers (FIDIC).

وعند اجراء اي تغيير في بنود الاتفاقية بين المالك والمقاول من حيث حذف أو زيادة في الأعمال، أو تمديد المدة الزمنية للمشروع ،او تغيير في المواصفات، أو الكميات، وما يتبع ذلك من تغيير في القيمة الاجمالية للمشروع، فإن الاستشاري ملزم قانونياً بتوثيق ذلك، بإصدار أمر تغييري للمقاول والذي يتطلب أخذ موافقة المالك عليه قبل إصداره، ولذلك الأوامر التغييرية تعتبر وثيقة رسمية توضح التغييرات التي تم اجراؤها في الاتفاقية الأصلية بين المالك والمقاول وبالتالي هي ليست شبهة للفساد، بل هو الاجراء التعاقدي الصحيح لإثبات التغيرات لحفظ حقوق جميع الأطراف، وإذا ثبت العكس فإن المهندس المقيم المشرف على المشروع يكون قد ارتكب مخالفة قانونية ومهني، واخل في اداء واجباته المناطة إليه.

اثناء تنفيذ الاعمال يوجد هناك عدة أسباب لإصدار الاوامر التغييرية ومنها اخطاء في التصاميم الهندسية، اعمال طارئة ظهرت اثناء التنفيذ، تغيير في بعض بنود العقد أو المواصفات لأسباب تتعلق بعدم توفر المادة الموصفة، أو توفر مواد أو أجهزة أحدث، أو توفر مادة بديلة ذات جودة عالية في الأسواق المحلية وغيرها من الأسباب، ولهذا يجب توثيق ذلك كما ذكرت باجراء متعارف عليه عالميا في مجال العقود وهو نظام مراقبة التغيرات Change Control System من خلال اصدار الامر التغييري المناسب. ومن المتعارف عليه أن قيمة التغييرات على أي مشروع تتراوح في العادة حول 5% من القيمة الإجمالية الاصلية للمشروع، ولكن إذا زادت عن ذلك الحد فذلك يستحق معرفة الأسباب التي ادت الى ذلك.

لدينا في الأردن منظومة عمل مهنية في قطاع الانشاءات الأفضل عربياً من حيث توفر شركات هندسية استشارية، ذات خبرات رفيعة المستوى لها افرع في معظم الدول العربية، وكذلك شركات مقاولات ترفع لها القبعة، وصناعات محلية تدخل في قطاع البناء ذات جودة عالية، وجميعها تحافظ على سمعتها المهنية، ولذلك تسليط الضوء على الاوامر التغييرية في قطاع الانشاءات وكأنها ممارسة للفساد في هذا القطاع امر غير مقبول. أنا مع الحرية الكاملة للإعلام ، وتسليط الضوء على أي موضوع ودون تحفظ لأن المصلحة العليا فوق كل اعتبار، ولكن يجب أن يكون بموضوعية وبمهنية، وذلك لإصلاح الخلل وتصويب الاخطاء من خلال ما يسمى الدروس المستفادة Lessons learned، فعندما ترتكب اخطاء هندسية فيها هدر للمال العام، أو إهمال مقصود أو غير مقصود له تاثير على سلامة المجتمع، أو يكون هناك مخالفة للقانون أو الاجراءات المعمول بها من قبل شخص أو مجموعة، فليس هناك ما يمنع من أن يسلط الضوء عليها، ووصف الخلل بالشكل الصحيح، وذلك لمحاسبة المقصرين ولمنع تكرار الاهمال.

يعرف الكثيرون أن هناك ممارسات إدارية خاطئة وخصوصاً في بعض المشاريع الحكومية قد ارتكبت عبر السنين الماضية، في سوء استخدام الاوامر التغييرية لأسباب عديدة، ومنها قد يكون استخدام ما تبقى من مخصصات الدول المانحة لتنفيذ اضافات على المشاريع، او ترحيل بعض المخصصات المالية من مشروع إلى مشروع آخر، بحيث وصلت نسبة التغيير على اجمالي قيمة العقود الاصلية إلى نسب عالية جداً، ولهذا أرى أن تقوم الجهات المعنية والمحايدة بدراسة كل مشروع على حدة، لمعرفة المسببات الحقيقية وراء تلك الأوامر التغييرية، وإصدار التوصيات لمنع أي ممارسات خاطئة مستقبلية، ومحاسبة المقصرين إذا ثبت أن هناك تقصيرا متعمدا أو هدرا للمال العام. اما فيما يتعلق بسوء جودة المنتج النهائي للبناء، فهذه قضية اخرى تعتبر فنية وتعاقدية وقانونية، ويجب أن يفتح تحقيق في كل قضية لمعرفة الجهة المسؤولة عن ذلك، وتصحيح الخطأ الناجم عن الاهمال المقصود أو غير المقصود، ومحاسبة المقصرين.

waelsamain@gmail.com