أبواب - وليد سليمان

من خلال إحدى روايات الأديب الأردني الشهير «غالب هلسا» كانت هناك حكاية حول دخوله لأول مرة دار سينما في عمان في منتصف أربعينيات القرن الماضي, وهي سينما البترا, فقد كانت أول دار سينما عامة في عمان والأردن سنة 1934م.

السينما الوحيدة في عمان

يقول: ذهبنا إلى عمّان أمي وأمي آمنة، وأخي الأكبر وسمحة وأنا، وآخرون لا أذكرهم. كنا ننزل في بيت أقاربنا. قالوا: الليلة سنذهب إلى السينما. كانت سينما البترا، الأغلب هي السينما الوحيدة في عمان أو على الأقل، فعندما كان يُقال أنا ذاهب إلى السينما، فالمفهوم أنك ذاهب إلى سينما البترا.

وددت ألا نذهب. كنت خائفاً. كان للسينما اسم سيء في بلدنا، فهنالك حجرة واسعة جداً يجلس فيها الرجال والنساء. أحيانا تُطفأ الأنوار ويُقال كانت ترتكب الموبقات في الظلام. وتصورت أن بعض العنف سـوف يرافق ذلك. أعتقد أن أهل قريتي- ماعين- كانوا يخلطون بين ما يحدث على الشاشة، وما هو مفترض أن يحدث تبعاً لذلك في مقاعد المتفرجين.

كانت أمي، عندما ذهبت للدراسة في عمان، تسألني إن كنت قد ذهبت إلى السينما، وكنت أنكر!! رغم أن المسؤول البريطاني عن القسم الداخلي لمدرسة المطران في جبل عمان كان يأخذنا كل أسبوع إلى السينما، عدا الأفلام القصيرة التي كـانت تُعـرض في قاعة المدرسة، والأفلام التي كنا نشاهدها في أيام العطلة الأسبوعية، وكانت الأيام التي كان يتاح لنا فيها الخروج من القسم الداخلي بحجة أو بأخرى. ولكن ذلك كان فيما بعد.

سوف يُعيدون الأضواء

لقد ذهبت تلك الليلة. كان الداعون قد حجزوا لنا لوجاً، فجلسنا فيه. كان المكان مضاء. غالبية الحاضرين كانوا من الرجال. نساء قلائل، مـدنيات، كن يجلسن في الألواج. أسأنا الظن بهن على الـفـور. من الواضح أنهن مع عائلاتهن، ولكنهن مدنيات، وهذا فيه ما فيه من مبررات سوء الظن. أُطفئت الأنوار، فقالت أمي:

ـ هذا إللي كنت حاسبة حسابه.

ودهشت أنها كانت تمزح، حاولت أن أطمئنها، قلت:

ـرايح يرجّعوا الضو.

ولكن الظلام استمر للحظة، ثم بدأ الضوء يتركز على الشاشة. سألت إن كان هؤلاء أناساً حقيقيين الذين يظهرون على الشاشة؟!. سمعت من الداعي إجابة ملتبسة، أدهشتني الأحجام الهائلة للرجال والنساء في ذلك المشهد الغريب، المتغير بسرعة، وتلك اللهجة ـ كانت اللهجة المصرية التي يتحدثون بها بسرعة غير عادية. ثم استغرقني المشهد.

في البـداية، كان كل شيء غـريباً جداً، الحدائق والأشجار والورود، والنهر، والشاب والفتاة يجلسان متجاورين.. ثم أنسى الغرابة وأندمج؛ يبدو حجم الناس طبيعياً. والمرأة التي لم أحبها في البداية أخذت تزداد جمالاً. توقفت عن التكلم بسرعة، والضحك الكثير، وأصبحت حزينة. الرجل ظل يتكلم بسرعة، يضحك كثيراً ويغضب كثيراً.

مشهد ظلَّ عالقاً بذهني

ثم ذلك المشهد الذي ظل عالقاً في ذهني فترة طويلة: المرأة طويلة جداً، تلبس الثياب السوداء، وتضع على رأسها منديلاً، حاملة بقجة بين يديها.. ثم حدث ذلك الشيء الغريب. اختفت المرأة، وعاد وجهها كبيراً بشكل خرافي. كانت تبكي، دون صوت. دموعها تنساب فقط، على جانبي أنفها. لم تحاول أن تجفف عينيها، بل كانت بمنديل صغير أبيض تجفف أنفها وشفتها العليا.

لم تكن تلك الوقفة، ولا ذلك الوجه الكبير، ولا البكاء الصامت هو فكرتي عن المرأة؛ ولكن ذلك كله لمسني بعمق.

لا أذكر ماذا حدث بعد ذلك. ولكن ما حدث لتلك المرأة أحزنني كثيراً. أضيئت الأنوار. في تلك اللحظة أذكر ذلك تماماً، اكتشفت أن النساء اللواتي حولي كائنات مختلفة. غامضة ومثيرة. شعرت أن ذلك يوحدهن حول سر لا أعرفه. أثار ذلك غيرتي، واكتشفت فجأة عندما وقفنا أنني صغير الحجم، ومنفصل عن الجميع. أحببت أن أعيد ذلك الاتحاد معهن، وأخذت أحدق في وجه آمنة. أحببت ذلك الوجه إلى درجة البكاء وأخذتُ أبكي.

قلت: ليش كانت المرأة بتصيح؟!.

قالت: زعلها جوزها.

ليش زعلها؟!.

ضحكت أمي وأمي آمنة، ومضيفنا وزوجته. كنا قد جلسنا في السيارة، وعندما ضحكوا ارتبكت.

قالت أمي: لازم يكون فيه سبب!.

قال أخي الأكبر: دوشتنا يا أخي! أسكتلك شوية.

قالت أمي: في آيش مضايقك؟!

قالت آمنة: كلامه حلو.

وأخذت أبكي. كان البكاء يضغط عليّ منذ أن أنتهى الفيلم. كنت أود أن يحيطني الجميع بحب متصل، وكأنني كنت أعلم أنّ ذلك أصبح مستحيلاً، فأخذت أبكي عالماً انتهى.

قالت أمي لأخي: يلعن شيطانك خليته يصيح- يبكي-.

كان أخي مندهشاً فقال: لكن أنا آيش قلت!!.

قالت أمي: اسكت، خلص يا حبيبي, أخوك كان بضحك معاك!!.

سمات أهل عمان

أما الكاتب والإعلامي الشهير د. احمد نايف نعناعة فيعود بالذاكرة الى خمسينيات القرن الماضي ليتحدث عن تجربته حول سينما البترا في عمان إذ يقول:

حين أقارن بين سينما الأمس وسينما اليوم لا أعني أن رواد سينما الأمس كانوا في شقاء ونحن في سعادة، بل العكس هوالصحيح!.

كانت الفطرة والبساطة من سمات أهل عمان العريقة بآثارها، الشامخة بجبالها ذات الهواء العليل، الهادئة بطبيعتها فلم تعرف الضجيج والصخب، وهدير الحافلات الكهربائية وروائح المازوت، المدينة البكر الوادعة الواعدة حاضرة الأردن عاصمة الأمير ثم الملك، ذات الناس الطيبين مسلمين ومسيحيين، غالبيتهم من طبقة متوسطة واحدة يعرفون بعضهم بعضاً ويتعاونون على البر والتقوى، لا يفرق بينهم تعدد الأصول واختلاف المنابت التي ذابت في حبهم لهذا البلد المنفتح المعطاء، أرض الثبات والرباط أرض كل العرب والمسلمين!.

تاج سمو الأمير

ويقول لا أعتقد أن أحداً من سكان عمان البكر القدامى لم يدخل سينما البتراء أو يسمع عنها. وقد كانت الملاذ الوحيد المفضل بعد المقاهي التي اعتاد الناس على ارتيادها للترفيه عن أنفسهم.

وكانت عائلتي من مرتادي هذه السينما في المناسبات مثل بقية العائلات للتمتع بمشاهدة أفلامها.. حيث كانت تصطحبني معها.. فيتملكني العجب وأنا أشاهد شخوص هذه الأفلام!.

كنَّا نجلس في الألواج الخلفية المخصصة للعائلات التي كانت على شكل مقصورات–أشبه بدار الأوبرا في القاهرة ولكل مقصورة بابها الخاص بها, ومقاعدها كنبات مريحة. وكان يتوسط هذه المقصورات مقصورة بارزة يزين شرفتها التاج الهاشمي؛ قيل لي إنها مخصصة لسمو أمير البلاد.. أمَّا مقاعد الصالة فكانت من القش.

وفي الحفلات النهارية كانتسينما البتراء غالباً ما تعرض أفلام الويسترن الاميركي وأفلام العصابات والمطاردات والمغامرات مثل أفلام بوب ستيل وتوم ماكس.

للنساء فقط

ولم يكن مسموحاً دخول النساء والرجال معاً.. بل كان يخصص ظهر يومي الاثنين والخميس للنساء فقط ودخولهن من الباب الغربي للسينما؛ الذي كان يتوسط المحال التجارية تجنباً للاختلاط والفتنة!.

لذا فصالة السينما كانت تغص بالنساء في اليومين المذكورين، وكان أكثرهن يرتدين الجلباب الطويل والملاية والحجاب على وجوههن!.

مجدرة وبطيخ وأراجيل

وكانت النساء لا يُقبلن إلا على الأفلام العربية التي بها (رقص وفقش) وبكاء ونواح وعويل! ويتزودن عند دخولهن بطناجر المجدرة المخبوصة و(المدردرة) وهي مثل (الكشري) ولكن بالبرغل، وبالمخللات وأنواع المعجنات ومن الفواكه والبرتقال والموز والبطيخ ناهيك عن التسالي والمكسرات وأباريق القهوة والشاي!!.

وفي إحدى الحفلات شوهدت امرأة عجوز تدخل ومعها (أرجيلتها)!.

وكانت النسوة يصطحبن معهن أطفالهن الصغار والكبار وكذلك الرضع،ويدخلن في مجموعات, وكل مجموعة لها رئيسة أو مرشدة.

بين عاملة الباب والنساء

وكان النقاش حاداً عند باب الدخول بين عاملة الباب والنساء اللواتي يحضرن أطفالهن الكبار فتمانع المسؤولة دخولهم لكبر سنهم وخط شواربهم.. فتنبري الأم لتقنع المسؤولة أن طفلها ما زال (ببو).. وبعد نقاش عقيم توافق المسؤولة شريطة ان تقطع له نصف (بوليت) أي نصف تذكرة.

وهنا تبدأ مناقشة ثانية بأنه صغير ولا يحتاج الى نصف تذكرة وستضعه في حضنها أو تقعده على ركبتها.. وكلام مثل: الله يرضى عليكي ويخليلي هالعيون الحلوة يا قمر!.

وكان الأجدر بأصحاب السينما أن (يقاولوا) طبيباً لتقدير سن الأطفال والكشف عليهم والتأكد من أنهم لم يبلغوا سن الحلم قبل السماح لهم دخول السينما والاختلاط بـِ الحريم!.

وكانت ثرثرة النساء وضجيج الأطفال وصراخهم تكاد تطغى على صوت الفيلم فلا تفهم منه شيئاً، ناهيك عن باعة الكازوز الذين يمطون الكلمة «كازوووز بارد بارد الكازوووز..» ولا تدري من البارد الكازوز أم بائعهُ؟!. وكانت مَن تمر بين المقاعد وخاصة في الدرجة الثانية أو الممرات الجانبية عليها ان تسير بحذرٍ كي لا تنزلق بقشرة موز!! فتشمت بها الشامتات اللواتي لم يتمكن من حضورالسينما !.

العقاب عندما يأتي المساء!

وكان بعض الأزواج يرفضون أن تشارك زوجاتهم بحضور هذه الحفلات ويعدونهن بمصاحبتهن في حفلات المساء العائلية على (اللوج) ومع الأكابر.. فيأبين!! إلا أن يشاركن من باب الغيرة!.

وإذا أصر الزوج بالمنع فإن الزوجة تتباكى ثم (تزمجر) وتهدّد بأنه (عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر) كما يغني عبدالوهاب ستعاقيه العقاب اللازم.. و(مساكين عالم الذكور) وهو عنوان كتاب أشاهده في واجهة إحدى مكتبات عمان.

خلع الطربوش وقص الشارب!

أما عن حفلات الرجال فكان معظمهم يضع الطربوش على رأسه أو الحطة والعقال،إذ لم تكن موضة تعرية الرأس قد انتشرت، فكان على الداخل الى السينما ان يخلع طربوشه حين بدء العرض حتى لا يحجب الرؤية عمن يجلس خلفه.. وكانت أحياناً تقع بعض المناكفات لعدم موافقة شخص على خلع طربوشه!! لأنه كان يعتبر أن إجباره على خلع طربوشه إهانة له مثل محاولة قص شاربه مثلاً.

هوى الأحباب!

ونظراً لأن مشاهدي السينما في تلك الأيام كانوا أقرب الى الطيبة وصدق العاطفة؛ فقد كانوا يتأثرون كثيراً حين يشاهدون عرضاً لمأساة من المآسي !! بل أن أكثرهم كان لا يتمالك نفسه من البكاء!!!.

وأذكر أن شخصاً أُغمي عليه لشدة تأثره حين ظهر محمد عبدالوهاب في أحد أفلامه وهو يدخل المقبرة ويغني: (أيها الراقدون تحت التراب جئت أبكي على هوى الأحباب)!!!.