بعد صمت طويل ولافت, اعترفت وزارة الدفاع التركية بحدوث الضربة الجوية «الغامضة» التي استهدفت قاعدة «الوطِيّة» الجوية, التي تسعى أنقرة إلى تحويلها الى قاعدة جوية تركية دائمة (بالإضافة إلى قاعدة بحرية دائمة على ساحل مصراته)، ما عكس ضمن أمور أخرى الحرَج التي باتت عليه الحكومة التركية, وبخاصة بعد الزيارة الاستعراضية (إقرأ الاستفزازية) التي قام بها وزير الدفاع التركي اكار ورئيس الأركان غولمر لطرابلس.

وإذا كانت الغارة مجهولة الهوية (وفق مصدر تركي) نجحت في إحداث صدمة لتحالف أنقرة/حكومة السراج، وأشّرت الى أن القوى الرافضة للتدخّل التركي في ليبيا, عقدت العزم على احباط المخطط الساعي الى إحياء الأطماع العثمانية في الوطن العربي, حيث ينظر إليه أحفاد العثمانيين الجُدد مجرد ودائع عثمانية يُحق لهم استردادها (نقلت مصادر ليبية ان الجنرال أكار قال لجنوده في ليبيا: خرجنا في 1911 ورجعنا في 2020)، فإن صمت الرئيس اردوغان تحديداً إزاء قصف قاعدة الوطية وتدمير أنظمة الدفاع الجوي الأميركية والتركية التي نقلها الأتراك إلى تلك القاعدة, زاد من أهمية التسريبات الإعلامية, التي تتحدث عن «قرار» إقليمي بدعم من بعض الدول الأوروبية بعدم السماح للوجود العسكري التركي في ليبيا بالتمدّد او التحوّل الى إحتلال دائم, في الوقت ذاته الذي ما تزال تبذل فيه الجهود لإنضاج حل سياسي للأزمة, ينهض على حوار ليبي – ليبي لا يستبعِد أحداً من القوى الفاعلة والمؤثرة في المشهد الليبي, ويضمن في الآن نفسه عدم السماح لأيّ دولة بالتدخل في شؤون ليبيا و يحفظ وحدتها وسلامة أراضيها، ناهيك عمّا حملته الغارة «الغامضة» من رسائل لأنقرة من أن تحضيراتها لاجتياح سِرت والسيطرة على قاعدة «الجفرة» لن يكون مسموحاً به, حتى لو أدى ذلك إلى «كشف» هوية الطائرات «المجهولة» التي وجّهت الضربة الموجعة الوطية, ومواصلتها العمل في «الجبهة» التي يريد الأتراك إشعالها بهدف السيطرة على «الهلال النفطي».

قد «تلجأ» أنقرة الى القيام بعمل عسكري استعراضي لغرض استرداد بعض ماء الوجه, الذي كشف هشاشة منظومات الدفاع الجوي التي جلبتها إلى الوطية, وان كانت الضربة عكستْ هي الأخرى، «يقظة» الأطراف المناوئة للوجود التركي والداعمة للرئيس برلمان طبرق (عقيلة صالح) وخليفة حفتر..رغم انحسار الأضواء عن الجنرال المهزوم, والتي قد تعود وإذا ما وعندنا يستقر الجنرال على موقف واحد بعيداً عن تقلباته ونزعات الفردية الاستعراضية التي تطبع سلوكه الشخصي والسياسي.

في السطر الأخير ما يجري من تحركات سياسية ودبلوماسية وخصوصاً على خطي باريس – الجزائر, ومنهما نحو موسكو وبروكسل (حلف الأطلسي) كذلك إيطاليا واليونان, وفي الخلفية دائماً واشنطن ترمب المُرتبِكة بل وغير الراغبة بل وربما غير القادرة على حسم موقفها بعيداً عن نظرتها العدائية الدائمة للدور الروسي, دون اهمال مواقف بعض الدول العربية المناهضة لأنقرة، يشي بأن ليبيا تحوّلت الى بارومتر المنطقة, التي ستُحسَم على أرضها ملفّات عِدة. بدءاً من ثروات شرق المتوسط الغازية والنفطية, وليس إنتهاء بالتحالفات والاصطفافات الإقليمية بِبُعدِها الدولي والتي.. «أيضا» لم تُحسَمْ بَعد.

kharroub@jpf.com.jo