من المؤكد أن تأثير تداعيات وباء كورونا على مؤسسات الدول، حديث يحتاج أكثر من مقال. ولكن لا بد من التأكيد أن أكثر المؤسسات الوطنية تأثرا سلبا بهذا الوباء، هي أمانة عمان. والقليل يعلم أن الامانة مؤسسة خدماتية، ذات استقلال مالي وإداري، تعتمد في إيراداتها بشكل كبير على ما يؤديه المواطنون من رسوم وضرائب، نظير الخدمات التي تقدمها، مثل: المسقفات والأبنية ورخص المهن ومخالفات السير وغيرها من الخدمات. ومن الطبيعي فإن تلك الإيرادات تتأثر سلبا أو إيجابا بالوضع الاقتصادي للدولة بصفة عامة، وبقدرة المواطنين على الوفاء بالتزاماتهم المالية المترتبة عليهم نظير تقديم تلك الخدمات.

هناك للأسف اعتقاد خاطئ لدى الكثير من الناس, بأن الأمانة من المؤسسات الغنية التي تمتلك قدرة مالية وموازنة مرتفعة، وهي بالتالي تعيش حالة من الترف المالي. والحقيقة هي عكس ذلك، فصحيح أن موازنة الأمانة والتي تبلغ (500) مليون دينار، فإن تلك المبالغ ليست مودعة في البنوك، يتم السحب منها كما يعتقد الناس، وإنما هي وفقا للوضع الطبيعي إيرادات تقديرية ذاتية أو تمويلية، تُحصل على مدار العام، ويتم تحديد النفقات التشغيلية الإلزامية بناء على تلك الإيرادات، وأي إخلال بهذه المعادلة، سوف يؤدي الى عجز الأمانة عن الوفاء بالتزاماتها الشهرية مثل: الرواتب والعطاءات وغيرها من النفقات الأساسية.

وحتى تكون الرؤية أكثر عدالة وإنصافا، أود ان أوضح بعض الحقائق التي قد يجهلها كثير من الناس, منها: أن مساحة عمان تبلغ ما يقارب (1800) كم2 ويبلغ تعداد سكانها ما يقارب (4.5) مليون نسمة، وتبلغ مساحات الشوارع(137) كم وكثافة البناء (75) مبنى لكل دونم و(33) شخصا مساحة الاستعمال السكني لكل دونم. وهذا التوسع العمراني الكبير، له أسباب كثيرة، من أهمها ارتفاع نسبة الهجرة الداخلية والخارجية لعمان، التي لا تعيش حالة نمو طبيعي, يؤدى بالنتيجة الى ضغط على الخدمات والبنية التحتية، مما يربك كافة مشاريع التخطيط التنموية فيها.

إن واجبات الأمانة الخدماتية في تنفيذ مشاريعها ومخططاتها التنظيمية التوسعية لغاية النفع العام بأشكاله من: شوارع وجسور وابنية وغيرها, يفرض عليها اللجوء الى استملاك الأراضي الخاصة من المواطنين وتنظيمها، وبالتالي تعويض مالكيها وفقا للقانون بمبالغ تتناسب وقيمتها السوقية. ولكن غالبا ما يلجأ أصحابها للقضاء للمطالبة بقيمة تعويض تفوق ما هو مقدر – إشكالية تقدير الخبراء في المحاكم - في ظل اعتقاد مسبق لدى العامة «بأن الامانة تمتلك إمكانيات هائلة فلتدفع» وكأن تلك الأموال ليست أموالا عامة، مصدرها ما يدفعه المواطنون أنفسهم، وهو ما يشكل استنزافا كبيرا لمداخيل المؤسسة، والخسارة هنا تنعكس سلبا على قدرة الأمانة بالقيام بالواجبات الموكولة إليها من خدمات ومشاريع.

لقد أثرت جائحة كورونا بشكل كبير وخطيرعلى إيرادات الأمانة، حتى وصلت كما يقال إلى الخط الاحمر، ولولا الجهود الكبيرة المميزة التي بذلتها إدارة المؤسسة، ممثلة بأمينها وكادرها، والتخفيف من حدتها، لكانت الحالة أسوأ مما هو متوقع. وليعلم جميع أهالي عمان أن ما وصلت إليه عمان من تقدم وازدهار سببه عمل متراكم وجهد وعرق لكادر وظيفي نذر نفسه ليلا ونهارا لخدمة بلده ومليكه.