القدس المحتلة - كامل إبراهيم

صرح البروفيسور مايكل لينك المقرر الخاص للأرض الفلسطينية المحتلة لدى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان:«أن وضع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية فريد في تعامل المجتمع الدولي ولذلك هناك تماد إسرائيلي لعدم وجود عقاب». مؤكداً على أهمية التدخل الدولي لإنهاء الاحتلال.

ففيما يتعلق بحصانة الاحتلال فقد أوضح بروفيسور لينك أنه لا يوجد في العالم مثل هذه الحالة التي نكون فيه نوايا وسياسات واضرار الاحتلال معلومة لدى الجميع وبالمقابل لا يوجد نوايا لدى المجتمع الدولي لاستخدام أدواته السياسية والقانونية لوقفه.

وقال لينك ان هناك أربعة محاور قانونية تتعلق بالحصانة للاحتلال والمساءلة في نظام الأمم المتحدة ووسائل المحاسبة الاخرى المتوفرة في المجتمع الدولي بالاضافة الى سبل التقاضي في المحاكم الدولية. وجاء ذلك خلال اللقاء القانوني الذي نظمته عيادة القدس لحقوق الإنسان ومركز العمل المجتمعي في جامعة القدس بعنوان «خطة الضم الاسرائيلية للضفة الغربية».شارك فيها كل من البروفيسور مايكل لينك المقرر الخاص للأرض الفلسطينية المحتلة لدى مجلس الأمم المتحدة لحقوق والاستاذ شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق للدفاع عن حقوق الإنسان والمحامي الدكتور إيهاب أبو غوش المختص بقانون الملكية والعقارات الاسرائيلي كما شارك الدكتور منير نسيبة مدير العيادة ومركز العمل المجتمعي ميسرا للقاء.

وأوضح البروفيسور لينك أن في حالات الضم السابقة التي قامت بها دولة الاحتلال قام مجلس الامن التابع للامم المتحدة بإصدار قرارات تؤكد على عدم قانونية الضم وتطالب اسرائيل بالعدول عنه كما تضمن القرارت امكانية اتخاذ اجراءات اخرى في حال عدم التزام اسرائيل بمقررات المجلس. إلا انه منذ ذلك الوقت لم يتم اتخاذ اي اجراء اخر سواء من الامم المتحدة او المجتمع الدولي ومن ذلك فقد تعلمت اسرائيل درساً ان الامم المتحدة قد تدين انتهاكات الاحتلال ولكن المجتمع الدولي سوف لن يتخذ أي إجراء سياسي او دبلوماسي او اقتصادي ضدها لوقف هذه الانتهاكات. لذلك، يرى لينك ان القرارات والإعلانات الدولية ستمثل ثمنا بخسا تدفعه اسرائيل مقابل استمرار استثماراتها وتجارتها الدولية مع قارات العالم المختلفة.

فيما يتعلق بالمساءلة القانونية، فقد أشار البروفيسور لينك ان هناك ثلاث مصادر رئيسية في القانون الدولي والتي تطالب المجتمع الدولي تحمل مسؤوليته السياسية لدفع دولة الاحتلال لإلغاء الضم ووقف الاحتلال غير القانوني وهم المادة الاولى من اتفاقيات جنيف الاربعة لعام 1949 والمواد المتعلقة بمسؤولية الدولة والتي تم اعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2001 وثالثا المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة.

واشار البروفيسور لينك الى أن التفاوت الكبير في ردة فعل المجتمع الدولي مع قضية الضم مقارنة بتعامله مع روسيا في ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014. ففي خلال اسابيع من الضم الروسي غير القانوني وفي ظل عدم قدرة مجلس الأمن على التحرك بسبب الفيتو الروسي فإن عدداً كبيراً من الدول والفاعلين في المجتمع الدولي اتخذ عدد من الإجراءات العقابية الشاملة ضد روسيا ومنها تخفيض درجة التعامل الدبلوماسي ومعاقبتها من خلال منظمة التجارة العالمية وفرض تقييدات على سفر العديد من الشخصيات وكذلك التقييدات على تصدير واستيراد البضائع القادمة من شبه جزيرة القرم بالاضافة الى عقوبات اقتصادية أخرى ضد روسيا. وقد أشار البروفيسور لينك ان فرض مثل هذه العقوبات هو أكثر ما تهابه قيادات دولة الاحتلال ويحذر منه الليبراليون الاسرائيليون.

ويرى البروفيسور لينك ان هناك عدداً من التدابير التي يمكن اتخاذها ضد دولة الاحتلال لوقف الضم بل ودفع عملية السلام ومنها تعليق اتفاقيات التعاون الاقتصادي مع اسرائيل وتخفيض التمثيل السياسي معها والاعتراف بدولة فلسطين بالاضافة الى منع إدخال بضائع المستوطنات الى السوق الدولية ومنع اي من الشركات والمنظمات الدولية من التجارة والاستثمار والتمويل وتقديم المساعدات المالية للمستوطنات وفرض تقييدات على سفر الشخصيات القيادية للمستوطنات ودعم منظومة معلومات مجلس الامم المتحدة لحقوق الإنسان المتعلقة بالشركات الدولية والاسرائيلية المتورطة بأعمال في المستوطنات والتي توفر المتنفس الاقتصادي لها.

وحول امكانية الاستفادة من المحاكم الدولية، يرى البروفيسور لينك ضرورة العمل على استصدار رأي استشاري اخر من محكمة العدل الدولية على غرار الرأي الاستشاري الصادر عن المحكمة حول عدم قانونية الجدار والذي يعتبر تطورا مهما في القانون الدولي الذي يحكم الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين وأن الاسئلة المفترض توجيهها لابد ان تتمحور حول مدى قانونية الضم ومدى قانونية الاحتلال والمسؤولية القانونية للمجتمع الدولي لضمان محاسبة دولة الاحتلال على انتهاكاتها.

وأوضح البروفيسور لينك أن أسرائيل ستكون قادرة على الحفاظ على هذا الوضع في المستقبل في ظل غياب التعاون الدولي وان هذا الاحتلال سوف لن ينتهي بدون تدخل دولي يجبر اسرائيل على تحمل التزاماتها حسب القانون الدولي.

وكان افتتح اللقاء الدكتور منير نسيبة معربا عن أهميته في ظل فترة حساسة جدا تمر بها الأراضي الفلسطينية المحتلة موضحاً أن اسرائيل قد ضمت عددا من المناطق الفلسطينية سابقا كالاراضي الواقعة خارج قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لسنة 1947 وكذلك في عام 1967 حيث قامت بضم مدينة القدس وإقرار قانون الضم عام 1980.

وقال د.نسيبة انه منذ ذلك الوقت أصبحت القدس تحت السيادة الاسرائيلية الكاملة وقامت اسرائيل بتطبيق عدد من قوانينها الداخلية كقانون أملاك الغائبين وذلك لمصادرة الاراضي وخدمة مشاريعها الاستيطانية وكذلك طورت عدداً من القوانين التي تؤثر على الوضع القانوني للمقدسيين ووجودهم في القدس كقانون الدخول الى إسرائيل.

ويرى نسيبة أن هذه التدابير هي من تداعيات الضم الذي حصل في الماضي كما ان هناك العديد من الآثار ولكن نحن الآن أمام ضم جديد مدعوم من مؤسسات دولة الاحتلال ويستهدف عدداً من المناطق التي تحتوي مستوطنات اسرائيلية وبالذات منطقة غور الأردن.

بدوره الدكتور إيهاب أبو غوش عبر عن عدم دقة التصريحات الصادرة عن عدد من المعلقين الاسرائيليين والتي تفيد بأن الضم لن يغير شيء على ارض الواقع وان الضم الفعلي قد حدث منذ عام 1967.

وقال ابو غوش ان التغييرات الحقيقية على أرض الواقع ستتحقق بعد اجراء الضم و استشهد أبوغوش بضم القدس الشرقية ومرتفعات الجولان سابقا وأن الضم لأي منطقة يعني فرض السيادة الكاملة بالاضافة الى القانون الداخلي الاسرائيلي وان ذلك سيكون له اثار فادحة على الفلسطينيين عامة والفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق المستهدفة بشكل خاص.

وأوضح د. أبوغوش بأن النظام القانوني المطبق حاليا على المناطق المستهدفة هو نظام معقد يتكون من أوامر عسكرية اسرائيلية بالاضافة الى قوانين اردنية وبعض القوانين العثمانية وأن الضم يستبدل هذا النظام بالقانون الإسرائيلي الذي يتم تشريعه من قبل الكنيست الاسرائيلي والذي سينتهك العديد من حقوق الشعب الفلسطيني كالحق في الملكية وحرية الحركة والحقوق الاجتماعية وغيرها.

وتركزت مداخلة ابوغوش على ثلاثة قوانين أساسية ستؤثر على حقوق الفلسطينيين في مناطق الضم وهي قانون املاك الغائبين والذي استخدمته دولة الاحتلال منذ خمسينات القرن الماضي للاستيلاء على اراضي وممتلكات الفلسطينيين ونقل ملكيتها لمصلحة دولة الاحتلال.

وقال أبوغوش ان هذا القانون سيؤثر على من له ممتلكات في المناطق المستهدفة وهو يسكن خارجها حيث سيتم اعتباره غائباً وتحويل ممتلكاته لسلطة دولة الاحتلال. ثانيا، قانون الاراضي والذي يسمح لدولة الاحتلال بمصادرة الأراضي باعتبارها أراضي دولة بشرط استخدامها للمنفعة العامة كبناء الطرقات والحدائق العامة والمدارس مشيراً الى أنه في عام 2011 تم تعديل هذا القانون ليشمل بناء او توسيع التجمعات السكانية كشكل من أشكال المنفعة العامة وبذلك فإن هذا القانون سيمنح دولة الاحتلال السلطة لمصادرة اراضي الفلسطينيين لبناء مستوطنات جديدة او توسيع مستوطنات قائمة. ولفت أبو غوش الـى قانون كامينتز – قانون البناء والتنظيم والذي وسع الصلاحيات الادارية للدولة ضد المباني التي تم تشييدها من غير تصريح بناء من دولة الاحتلال حيث يتوقع ان يتم استخدام هذا القانون ضد مباني الفلسطينيين في المناطق المستهدفة بالضم والتي تم بناء معظمها بدون تصريح من دولة الاحتلال. من جهته أوضح الاستاذ شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق بأن الانتهاكات والجرائم الاسرائيلية بحق الفلسطينيين مستمرة منذ بداية الاحتلال وهذا يدل على أنها سياسة ممنهجة وممارسة واسعة الانتشار. ويرى جبارين ان الاسرائيليين يتمتعون بالحصانة فقد انتهكو جميع مبادئ القانون الدولي دون ادنى محاسبة. وأوضح جبارين ان ما يحدث اليوم من نوايا وممارسات معلنة من قبل دولة الاحتلال بهدف الضم لا بد ان يستدعي انتباه دول العالم جميعا وليس الفلسطينيين فحسب فما تمارسه اسرائيل يخترق كل مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ولذلك فعلى المجتمع الدولي ان يتخذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات وان لا يعتمد على الشجب والاستنكار الذي تعايشت معه دولة الاحتلال. مؤكداً ان هذه الخطوات نابعة من المسؤولية القانونية للمجتمع الدولي وليس مجرد مسؤولية اخلاقية.