أبواب - زياد عساف

لكل بلد مسمياتها ومنها تنوعت الأسماء والأوصاف فيما يتعلق بمشافي الأمراض النفسية والعقلية وأسباب تلك التسميات ، ففي مصر يطلقون عليها السرايا الصفرا جراء حادثة احتراق مستشفى العباسية للأمراض النفسية منذ زمن بعيد ولم يتبقَ منه حينها سوى مبنى صغير تم طلاؤه باللون الأصفر ومنه جاءت هذه التسمية، وفي العراق يطلقون عليها (الشمَّاعية ) نسبة إلى تشميع الخيط أو أن المجانين عقلهم (مشمَّع)، (العصفورية ) هو الوصف المتعارف عليه في لبنان في إشارة للمنطقة التي أُنشئ بها المستشفى في العصر العثماني بالقرب من منطقة الحازمية في بيروت، وعرفت بأشجارها الكثيرة وعصافيرها المتنوعة .

سخرية..

الدافعية للبحث في هذا الموضوع جاءت لحظة استماعي بالصدفة لأغنية صباح «ع العصفورية.. وصلني بإيده.. وما طل عليي» وكما تشير الكلمات هنا فإن من أوصلها للجنون لم يسأل عنها فيما بعد، وهذا ما يحدث في الحقيقة إذ أن غالبية الناس ينظرون لمثل هذه الحالات باستخفاف وإهمال ونظرة دونية شكلتها مفاهيم اجتماعية ودينية مغلوطة، ما يساهم في تأزيم هذه الحالات وكان للسينما العربية الدور الأكبر في تشكيل هذه الثقافة السلبية مما لا يعفيها من المساءلة القانونية والإخلاقية.

ففي كثير من الأعمال السينمائية المتعلقة بهذا الخصوص لجأت السينما لتقديم المرضى النفسيين بصورة فكاهية ساخرة والهدف مادي بحت دون استدراك أن السينما بهذه الخطوة أحدثت حالة من الشرخ الإجتماعي بحق هذه الفئة من الناس وبالتالي التعامل معهم بسخرية لاتخلو من الغمز واللمز، والنفور منهم لدرجة أن تشكل في وعي الأغلبية ضرورة تجنب المصاهرة والنسب مع كل من يمت للمريض النفسي والعقلي بأي صلة، ما أوقع الظلم على كثيرين دون وجه حق.

سمعة في قفص الإتهام..

عاش إسماعيل ياسين أو كما يُعرف بـ (سمعة) موقفا محرجاً ساهم بتقديمه لهذه النوعية من الأعمال، والقصة كما تروى بأنه أراد أن يُدخل السرور على قلب الملك فاروق في إحدى الأمسيات وألقى على مسامعه نكتة أوقعته في أزمة عندما ابتدأها بـ(مرة كان في واحد مجنون زي حضرتك!) موجها كلامه للملك، وهنا احتد الأخير لهذا التطاول غير المقصود بالأساس، ولم يكن أمام سمعة للخروج من هذا المطب سوى التظاهر بأنه قد فقد الوعي، وأنقذه الطبيب من هذا الموقف بوصف الحالة بأنها صدمة عصبية جعلته لا يدرك ما يقول ما أثار عاطفة الملك وأمر بتحويله لمستشفى العباسية للأمراض النفسية من أجل علاجه ومكث على إثرها بالمستشفى مدة عشرة أيام.

ودارت عجلة الأيام وصوَّرْ أبو ضحكة جنان بعض الأفلام داخل مستشفى العباسية، و أشهرها بطبيعة الحال (اسماعيل ياسين في مستشفى المجانين) 1958 وبدور حسونة الفطاطري، وهو من نوعية الأفلام التي ساهمت بالإستخفاف بالمرضى ولغاية الاّن عبر قصة تقليدية تتمثل بوشاية كيدية من علوة (رياض القصبجي) التمرجي العامل بمستشفى المجانين، ومن خلال صلاحياته أوصل حسونة للمستشفى ليتخلص منه باعتباره المنافس له على قلب طعمة (هند رستم).

وقدم إسماعيل ياسين مجموعة أفلام أخرى وفي السياق ذاته بإظهار المجنون كمدعاة للتهكم لاستدرار ضحكات الجمهور، ومن بينها (المليونير) 1950، (اسماعيل ياسين في البوليس السري) 1959 وفيلم (المجانين في نعيم) 1963.

تراجع..

مع تراجع الأضواء عن الفنان اسماعيل ياسين تم إسناد البطولة لهذه النوعية من الأعمال للفنان فؤاد المهندس، وبأفلام مثل اعترافات زوج 1964، اقتلني من فضلك 1965 وانت اللي قتلت بابايا «1970»، وكانت هناك بعض الأعمال المسلية تم تصويرها في مستشفى المجانين وضمن الإطار التقليدي لهذه النوعية من الشخصيات ومنها: مليون جنيه 1953 وأدت الدور الفنانة زينات صدقي، سر طاقية الإخفاء 1959 لعبد المنعم ابراهيم، عروس النيل لرشدي أباظة 1963 و(مكالمة بعد منتصف الليل) 1978 لـ سمير غانم.

استدراك..

في أواخر الستينيات استدركت السينما هذه النوعية من الأفلام وبدأت بتقديم أفلام مدروسة وقليلة في الوقت نفسه معتمدة على مرجعيات ودراسات نفسية من مصادر علمية وأكاديمية متنوعة مثل فيلم (بئر الحرمان) 1969 وفيلم (أين عقلي) 1974، وتلاها مجموعة من الأعمال ظهر المستشفى خلالها بشكل مختلف، ويضم بين جدرانه مجموعة من النزلاء ممن ألصقت بهم صفة الجنون جزافاً ولأسباب سياسية أو اجتماعية أو كيدية، ومنهم من إدعى الجنون هرباً من الواقع أو للإستقصاء عن جريمة فساد على سبيل المثال.

عام 1981 كانت البداية الفعلية لتقديم هذه الرؤيا الملتزمة وبصورة خيالية لامست الواقع بشكل دقيق من خلال فيلم (وقيدت ضد مجهول) للفنان محمود ياسين ومجموعة من نجوم الفن السابع، وتم توظيف مستشفى المجانين عبر سيناريو الفيلم كجامع لعدة شخصيات من النزلاء تدين مرحلة الإنفتاح في مصر وتداعياتها على الصعيد السياسي والإجتماعي، فالمجانين هنا يعكسون نبض الناس وأوجاعهم لدرجة تطرق الفيلم وبطريقة خيالية ساخرة لسرقة الهرم الأكبر ونهر النيل، ولقد سبق العمل زمنه فنهر النيل يتعرض للسلب الاّن عبر مشروع سد النهضة، وفي الوقت نفسه تطرح بعض الشخصيات الثرية من خارج مصر عروضاً لاستثمار الإهرامات في الجانب السياحي وعبر عقد احتكار طويل الأمد.

أيام الغضب..

سيتوقف النقاد كثيراً عند فيلم (أيام الغضب) ولسنوات عديدة قادمة، اذ تمكن الكاتب بشير الديك والمخرج منير راضي من نقل الصورة القاتمة لما يجري من سوء المعاملة الإنسانية للنزلاء خلف جدران مستشفيات الأمراض العصبية والعقلية من خلال شخصية ابراهيم (نور الشريف) بعد أن زُجَّ به في المستشفى من قبل الشخص المتنفذ الذي استولى على ماله وشقته وتزوج من الفتاة التي كان ينوي الإرتباط بها أيضاً، ويلتقي ابراهيم في المستشفى بمجموعة ممن تم إيداعهم بهذا المكان ووصمهم بالجنون بسبب مواقفهم السياسية، أو لإسباب اجتماعية تتعلق بالإستيلاء على الميراث وتسلط زوجة الأب أو ممن يعاني من مرض الصرع.

سلم لنا عَ الترمواي

الفنان نجاح الموجي خطف الأضواء بهذا العمل من خلال شخصية النزيل مصطفى، و استطاع كسر حدة الكاّبة والسواد بالفيلم من خلال أغنيته (سلم لنا بقى ع الترمواي) التي حققت شهرة كبيرة من كلمات سيد جاب وهو يتغنى بالمجانين:

» هتسيب مستشفى المجانين.. وتعيش مع مجانين تانيين

ماهي دنيا تجن العاقلين..أوعى تروح بقى في الباي باي

دنيا ودايرة خلف خلاف..و المجانين فيها أصناف

كله عايزله قميص لاكتاف..من أوطى ما فيهم للهاي».

وحصل الموجي عن هذا الفيلم على جائزة أفضل دور تاني في مهرجان دمشق السينمائي 1989، وفي ندوة أُقيمت له في المهرجان تحدث بمرارة أن ما يجري على أرض الواقع في هذا النوع من المشافي أسوأ كثيراً مما شاهده الجمهور بهذا الفيلم وذلك من خلال خبرته الميدانية بهذا العمل بحكم تخرجه من المعهد العالي للخدمة الإجتماعية قبل أن يتفرغ للتمثيل.

الهروب من الخانكة..

تنوعت الأعمال السينمائية المصوَّرة داخل مستشفى الأمراض العقلية من خلال حبكة درامية بادعاء المرض كما سبق، وهذا ما ينطبق على فيلم (اللعنة) انتاج 1984، ويؤدي نور الشريف دور صحفي يدعي الجنون ما يؤهله لدخول المستشفى للحصول على سبق صحفي حول جريمة مقتل أحد النزلاء في المستشفى، وبصورة مشابهة تقع أحداث فيلم (الهروب من الخانكة) 1986، وتقوم المذيعة نشوى (ماجدة الخطيب) بتقصي قضايا فساد داخل مستشفى أمراض عقلية بعد أن تم إيداعها به من قبل شقيقها الذي سعت لكشف تجاوزاته القانونية والإنسانية.

ويزخر أرشيف السينما العربية بأعمال أخرى حول نزلاء المصحات النفسية والتي أقل مايمكن أن يقال عنها بأنها لامست قضايا جوهرية تمس حياة الناس ومن بينها: (خلي بالك من عقلك) 1985، (الدنيا على جناح يمامة) 1987، (مجانينو) 1993، (ليلة سقوط بغداد) 2005 و(18 يوم) إنتاج عام 2011.

الفيل الأزرق

معظم الأفلام السابقة تم تصويرها في مستشفى العباسية للأمراض النفسية والعصبية في القاهرة، وعادت (العباسية) لتكون مسرحاً لأحداث فيلم (الفيل الأزرق) بجزئيه إنتاج عام 2014 و2019، مع توظيف المؤثرات والخدع البصرية والإرتكاز على عالم الجريمة والغموض، والنتيجة التي يؤول اليها الفيلم أن سبب المرض وجود شيطان داخل جسد النزيل المريض الذي دفعه لقتل زوجته، وبنفس الرؤيا جاء الجزء الثاني يدور حول امرأة مريضة، وهذه المعالجة بطبيعة الحال لا تتفق مع قناعات كثيرين وتَحَفَّظْ العديد من النقاد على هذه المعالجة.

إجماع..

أجمع الغيورون على السينما العربية على العديد من الماّخذ والملاحظات في طريقة التناول الدرامي لنزلاء مستشفى الأمراض العقلية رغم الثراء الإنساني والفني الذي يقدمه المريض النفسي كشخصية جاذبة لإثارة العديد من المواضيع الهامة والقيِّمة ما يحفِّز على تقديم مواضيع تتطرق للقضايا المتعلقة بواقع وثقافة المجتمعات العربية ما يساهم بالمنافسة السينمائية على مستوى عالمي، إلا أن السينما العربية لم تتأثر كثيراً برؤية وطريقة تفكير صناع السينما العالمية من حيث توظيفهم للبحث العلمي والتقنية الحديثة لخدمة الفكرة المتعلقة بصورة المريض النفسي والمختل عقليا، والتي بدأتها السينما الأجنبية منذ عقود طويلة وأصبح بالإمكان مشاهدتها عبر المواقع الإلكترونية والمحطات الفضائية ما يتيح للمشاهد المقارنة بين المحلي والعربي والنتيجة ليست لصالح السينما العربية بكل تأكيد ما يدفع عشاق الفن السابع للإحجام عن متابعة هذه النوعية من الأعمال.

أخفقت السينما العربية كثيرا بالفصل ما بين المريض النفسي والمختل عقلياً حتى بدا المريض النفسي هو المجنون لدى كثيرين ولم يسلم الطبيب النفسي أيضاً من وصفه بالجنون نظراً للصورة الهزلية التي ظهر بها على الشاشة وفي أعمال كثيرة، ومن الأمثلة على ذلك دور عبد المنعم مدبولي بفيلم (مطاردة غرامية) إنتاج 1968.

روب وصعقة كهربائية..

القاسم المشترك في معظم الأفلام المصرية في التعامل مع المريض لحظة القبض عليه يتم بتوثيقه بالروب الأبيض الخاص بالمجانين، وفيلم (باب الحديد) 1958 مثالاً حياً على ذلك عندما أقدم حسن البارودي على استخدام الروب بتقييد وربط قناوي (يوسف شاهين) بهدف القبض عليه موهماً إياه بتزويجه هنومة (هند رستم).

مشهد استخدام الصعقة الكهربائية في علاج المريض تكرر أيضاً بالعديد من الأفلام، وجأء ضمن السناريو كنوع من تعذيب النزيل كفيلم (اتنين على الطريق) 1984 للفنان عادل إمام، إلا أن الأطباء النفسيون يعارضون هذا النوع من المشاهد ويعتبرون استخدام الصعقة الكهربائية نوع من العلاج الفعَّال وليس للتعذيب ويكون بأمر من الطبيب المختص، هذا التباين في الأراء ظل قائماً لغاية الاّن ويعتبر واحداً من الثغرات التي وقعت بها السينما العربية.

شخصية (التمرجي) ظهرت على الشاشة كشخصية سادية تستخدم العنف والإبتزاز في استغلال المرضى النفسيين في مستشفيات الأمراض العقلية، ما أدى لاعتراض نسبة من هؤلاء العاملين على هذه الصورة السينمائية غير المنصفة، ويبقى الفنان سعيد عبد الغني من أفضل من قدموا هذه الشخصية في دور (ضياء) بفيلم (أيام الغضب).

الفنون.. جنون

«مجنون» وصف يُطْلَقْ عادة على المبدع في الأوساط الفنية وليس بالمعنى المألوف أي الاختلال العقلي، ويؤكد هذا المقولة الدارجة (الفنون.. جنون)، إلا أن أغلب السينمائيين أخفقوا حتى في الطرح المنطقي لقضية المجانين على الشاشة رغم تزايدهم مع الأيام وحسب مقولة الكاتب والمؤلف ستيفن كنغ :

«أعتقد بأننا جميعاً نعاني من الجنون نوعاً ما.. كل مافي الأمر أن اولئك الذين يعيشون حياتهم خارج المصحات العقلية..إستطاعوا أن يخفوا جنونهم بشكل أفضل !».