إربد - أحمد الخطيب

في ظلّ الأزمات وانفراجها، يستصلح المبدع والمثقف تربة التجربة التي يسعى إلى تجذيرها بالأشجار العالية، الأشجار المثمرة، رؤى وإبداعا وتجديداً، وفي ظلها تغلق الأبواب والنوافذ، فيسعى المبدع إلى فتح كوّة في جدار الحياة، ليدخل الضوء، ضوء الأمل والحياة من جديد.

في هذا الحوار يفتح الشاعر أحمد طناش شطناوي لـ «الرأي» نوافذه المشرعة على التجربة، ضيقها وانفراجها، مساحاتها الراهنة، واستشرافه لما سيأتي.

يقول شطناوي: «لم يكن من السهل على عابثٍ في ثمالة الحركة والتنقل ممارسة الحذر والخوف من عدو مجهول غامض الملامح، والتزام السكون في ظل ريح الرغبة العاصفة بالتمرد وكسر حاجز الخمول، إلا أن القيود كانت أشد من تلك الجامحة على أبواب العزيمة، الفارضة هيمنتها على العقول والقلوب».

ويضيف: «كان لا بد من التأقلم والسير مع التيار بصحبة الألم، مع ترك قليل من الأمل بالحرف الذي أوصد أبوابه ونوافذه وبارح المخيلة، حاملا معه قصاصات الحقيقة المتوارية، هذا ما شكل رغبة في وأد السردية المهترئة ونشل الحدث من باطن الوجع، وما لا يخفى أن الدقائق -وإن استمرت في مسيرها- تعيدك لمربع الملل الواسع، فقد تدور العقارب وتمضي الساعات، لكن السكون المفاجئ ما زال مستمرا في ذهوله وتجمده عند الدهشة الطارئة نفسها».

وحول الرؤى التي أثثتها الجائحة للمبدع وهو يرصد هذه الحالة الاستثنائية، يؤكد شطناوي أن التجربة «خير برهان»، فقد شكلت هذه التجربة في الانعزال والانكفاء حول الذات مساحة شاسعة للمثقف يروض بها أفكاره ورؤاه. ويضيف: «ما زالت الأفكار تحلّق في الذهن على غير هدى، تارة تحط وتارة تقلع، تتمسك بقليل من الماضي الباعث للتاريخ، وتنفلت مع وهم الواقع وإيهامه، هذه التجربة القسرية غير المسبوقة حملت بين طياتها رائحة الصوفية، ونكهة التلذذ بالقليل من الانعزال عن المجتمع، ولعلها حملت كثيرا من الاختلافات الفكرية بين المثقفين، فلكل مثقف رؤية مختلفة بحسب طبيعته وقدرة تعاطيه مع الهم الإنساني والتغلغل بين ثنايا تفاصيله».

ويؤكد شطناوي: «ما لا يُختلف فيه أن هذه التجربة فتحت بابا جديدا لدراسة الحالة البشرية، إنسانيا ونفسيا واجتماعيا، ومن بواعث الدهشة ومفارقات المرحلة التي مرت أننا كنا ننادي بالتقارب الاجتماعي، والآن في ظل هذه الجائحة أصبحنا ننادي بالتباعد الاجتماعي في أنحاءالعالم كافة، فانتقلنا إلى العوالم الافتراضية التي نشأت حديثا لنرتوي منها ولو على غير ظمأ».

ويرى شطناوي أن الحكايا كثيرة، والغائب منها أكثر من الحاضر في الذهن والفكر، ويعتقد أن العائلة تلامس جزءا من هذه الحكايا، ويتابع بقوله: «لعلنا حين نقترف الغياب عن هموم البيت والعائلة ساعات طويلة منشغلين خلالها بالعمل والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، فقدنا الكثير من تفاصيل الأحداث اليومية التي تمر بها العائلة، ولكن الجائحة ورغم ما خلفته من آثار سلبية، أسهمت في كثير من الاكتشافات العائلية الغائبة، وفي الوقت نفسه أن تعرف كثيرا معناه أن تتعب كثيرا، فالمعرفة في هذه الأمور مصدر جديد للإرهاق، هذا الذي يعبث بالعقل والفكر فيوصلك إلى حالة من عدم الاستقرار الفكري، أما أهم تلك الحكايا التي غابت فهي الحاجة الملحة إلى الحركة والتواصل مع الآخرين وملامسة الروح للطمأنينة والأمان واكتشاف الواقع عن قرب، لا النظر إليه من بعيد خلف شاشات العالم الافتراضي الأزرق».

وفي سياق بحث المبدع عن ذاكرة معرفية إضافية في ظلّ الحجر الاضطراري الذي فرضته الجائحة، يرى شطناوي أن على المثقف أن ينشغل بالقراءة في وقت فراغه، فإن عزّت الصحبة سيجد الكتاب إليك طريقا يخفف عنك وطأة الفراغ وقسوته، إلا أنه باب واحد للمعرفة ضمن أبواب كثيرة لا بد للمثقف أن يطرقها، فقد ينحاز بعضهم إلى هذا الباب تاركا وراءه أبوابا مغلقة، ولعل الدراما بأشكالها والتاريخية تفتح أبوابا واسعة للمعرفة، خصوصا تلك التي تعالج قضايا واقعية ومستندة إلى موروث تاريخي، ومع ذلك فإن الكتاب خير جليس للمثقف.

وحول اتصاله إبداعياً بالجائحة، يقول شطناوي: «لا تستقر الرصاصة عند انطلاقها من فوهة البندقية في هدفها، إذ لا بد لها من مواجهة المسافة والزمن وعواملهما، وإن اعتبرنا أن النص الأدبي كالرصاصة، فلا بد له من عبور مرحلة الزمن والفكرة، فالفكرة ضالّة الكاتب التي يبحث عنها في رسالته الثقافية، لكن النص الإبداعي وإن جاز التعبير كقذيفة المدفع، فلا بد له من أن يصعد على سلم المستحيل حاملا الفكرة المبدعة متجها نحو القمة وإن طالت به المسافة أو طال به الزمن قليلا إلا أنه سيحط على هدفه لا محالة.

ويوضح شطناوي أنه هجر الكتابة طيلة فترة الحجر الاضطراري، ليس لعجز ولا لضيق الوقت، إنما كان هذا الهجر لمراقبة الوقت وأحداثه، فليس من عادته -كما يقول- أن يكتب عن قرب، فهو دائما ما يفضّل الكتابة برؤية شمولية واسعة محيطة بجوانب الحدث كافة. ويتابع: «ساعات الحجر وأيامه كانت سريعة بطيئة، صعبة سهلة، مليئة بالأحداث والصراعات، والكتابة في ساعة الحدث تفقدك شيئا من نكهة التلذذ والتحليل والتفكير في البعد المخفي منه».

ويوضح طناوي بقوله: «بما أن المثقف استثنائي، فمن الطبيعي أن يكون دوره استثنائي في مواجهة تحديات المجتمع ومشاكله، ومحاولة توجيهها إلى بر آمن، لكن وفي ظل هذه الجائحة التي جاءت دون إنذار مسبق، فقد شغلت الدول والحكومات، فكانت هي صاحبة الكلمة والنصيحة، وبذلك اقتصر دور المثقف على نفسه، مما جعله في مستوى المتلقي، يستقي المعلومة كغيره ولا يعيد إنتاجها أو تدويرها، ولعلنا في مرحلة كونية جديدة أصبحت فيها المعلومة متاحة للجميع في ظل التطور التكنولوجي واجتياح مواقع التواصل».

أما المثقف المبدع فيؤكد شطناوي أنه «استثناء الاستثناء»، ويضيف: «هو الذي لا يقتنع بالظاهر من الأمور، وإنما يحفر في قلب الأمر، ليصل إلى قناعة مؤكدة يبني عليها الحقيقة، وهنا يكمن الفرق بين الظاهر والباطن، وبما أن حقيقة الجائحة ما زالت خلف أقنعة الغموض، فإن تلك القناعة الحقيقة ما زالت رغم ضخامة الحدث تسقى من ماء آسن».

ويرى شطناوي أن مواقع التواصل الاجتماعي لعبت دورا في تقليص مسافة البعد التي فرضها الحظر عند بعضهم، ولكن هناك من نأى بنفسه بعيدا مستقبلا قبلة ذاته، غارقا في همومه التي لا يجلو كدرها غير اللقاء والمواجهة، فوجد في الهروب من العالم الافتراضي ملاذا آمنا مبتعدا عن الكثير من المجاملات حالما بغد مليء بالحياة. ويختم بقوله: «لا غرابة أن المعتاد أجمل في واقعيته وحقيقته، ولو حاولنا الهروب منه إلا أنه صاحب الظل الوارف الذي يحقق الوجود الثقافي في فضاء الإبداع».