الكرك - نسرين الضمور

يعد وادي الموجب الفاصل بين محافظتي الكرك ومادبا واحدا من اجمل مواقع الاردن الطبيعية بتضاريسه المبهرة واطلالاته البديعة الممتعة للنظر، مشهد لا احلى زاد من ايحائه الطريق المعبد المار عبره انحدارا وصعودا، التواءات ومنعطفات حادة تحبس انفاس سالكي الطريق الذين قد يذهب خوفهم ما يبصرون من طبيعية فاتنة يضاعف من القها مرأى سد الموجب الذي ينصّف المسافة مابين مطل الوادي الشمالي ومطله الجنوبي بزرقة مياهه الدافقة التي تسترق النظر.

روعة المنظر وسحر المكان ليس فقط مايمكن قوله عن وادي الموجب فللتاريخ فيه وقفة ولحضارات شتى تعاقبت عليه بصمة تحكي قصة من مروا ومن اقاموا واسسوا لطريق تحكي عظمة من شقها ومن قام على خدمتها من اولين خلدهم الزمان. يعود الاهتمام بوادي الموجب الى زمن الملك المؤابي ميشع في العام (841) قبل الميلاد وهو من اسس للطريق المار عبر الوادي والذي مازال قائما للان وفق ماكتب على مسلة ميشع التي نقلت تاليا الى متحف اللوفر في باريس حيث كتب عليها ميشع «عبدت الطريق في وادي الموجب» وبحسب الباحث والمؤرخ حامد النوايسة فقد انشأ ميشع الطريق وفق المصادر التاريخية للربط بين مملكتيه في ذيبان الواقعة على المطل الجنوبي والكرك التي تجثم على مطله الشمالي.

واضاف الباحث النوايسة ان ذكر وادي الموجب ورد لدى العديد من المستشرقين والرحالة منهم المستشرقون الالمان فلهاوزن و فورلرج والمستشرق الأميركي وليم اولبرت، والذين اشاروا الى تكوين الوادي الذي يبعد بمسافة اربعة كيلومترات من بلدة ذيبان شمالا وقالوا انه وادي سحيق بعمق اكثر من (500 )متر فيما قدروا الفاصل الافقي بين مطليه الشمالي والجنوبي بخمسة كيلومترات، وهذا ما اشار اليه ايضا الجغرافي العربي الادريسي حين قال «وادٍعميق يمر بين شعبين غير متباعدين ينزل اليه السالك ستة اميال ومثلها للصعود منه».

ذكر الطريق المار عبر وادي الموجب قديما وفق الباحث النوايسة باسم «ارنون» التي تعني باللغة اليونانية سال محدثا ضجة والمقصود هنا هو سيل الماء العظيم الذي كان يمر من خلال الوادي، فيما اطلق عليه العرب اسم وادي الموجب كاسم مشتق من الفعل وجب أي ان مياهه تنحدر باعثة هديرا، وفي العهد الروماني عمل الملك تراجان على رصف الطريق ووضع الاشارات الارشادية عليها وذلك في العام ( 63) قبل الميلاد فسمي الطريق في هذا العهد باسم تراجان حيث اقام الرومان قلاعا وحصونا وحاميات عسكرية حول الطريق لحماية القوافل التجارية التي كانت تسلكه، الى ان جاء العهد العثماني حيث سمي الطريق انذاك باسم الطريق السلطاني او الملوكي، وعثر في الوادي ايضا على بقايا حصن اقامه الانباط والذي حول ايام العهد الروماني الى مخفر لحماية القوافل التجارية.

وفي العهد الهاشمي تم ايلاء طريق الموجب عناية فائقة فجرى توسعتها ومدها بالخلطة الاسفلتية الساخنة وقبل تشغيل طريق الكرك القطرانة - عمان كانت طريق الموجب الممر الرئيسي الوحيد مابين منطقة الكرك ومادبا والعاصمة عمان.

واعطى سد وادي الموجب الذي انجز قبل (17) عاما بطاقة تخزينة تصل الى (30) مليون متر مكعب ميزة جمالية مهمة ترفد المناطق الزراعية والصناعية القريبة بالمياه التي تمت تحلية جزء منها كمياه شرب تغذي مناطق شمال المحافظة اضافة الى الاسماك التي تتكاثر في السد مايلبي حاجة هواة صيدها.

ورغم ماعليه وادي الموجب من غنى تاريخي ومعالم سياحية موحية فلم يلق بعد العناية الكافية التي تجعل منه مقصدا سياحيا يلبي مقتضيات السياحة الداخلية والخارجية في ان واحد، فالمكان بحاجة لاقامة مقاه واستراحات ومطاعم سياحية ومحطات مراقبة على مشارفه تمكن المشاهد من الاستمتاع بجماليات الوادي وبامتداده الافقي باتجاه البحر الميت وباتجاه سد الموجب المبهج حين النظر اليه من عل، فيما يفتقر المكان ايضا لادنى الخدمات التي تؤنس سالكيه وتؤمن حاجة المتنزهين فيه حيث يستقطب الوادي الكثير من الافواج السياحية القادمة للمملكة اضافة للكثير من المتنزهين المحليين الذين يؤمونه لدفئه في فصلي الشتاء والربيع.

فيما الحاجة قائمة للكشف عن مكنوزات الوادي الاثرية وتطويرها حيث دلت الحفريات التي اجريت في الموقع مؤخرا ان الوادي كان منطقة استيطان بشري في العديد من الحقب التاريخية وتركوا الكثير من الارث التاريخي، وتبرز الحاجة ايضا الى توسيع قاعدة الرقعة الخضراء في الوادي بالانتفاع من مياه الري الدائمة التي يوفرها سد الموجب، فيما يبدو المكان مناسبا لاقامة شبكة سلال كهربائية (تلفريك ) يمكن ان تربط بين مطلي الوادي مايتيح لمستخدميها متعة مشاهدة يعز نظيرها على مستوى المنطقة، وتبدو الحالة اكثر اسهاما في اجتذاب المزيد من السواح والزائرين باقامة مطعم لخدمة الوجبات السريعة بالانتفاع من الاسماك التي يمكن اصطيادها من السد وتقديمها وجبة طازجة لكل من يزور المكان.