إربد - أحمد الخطيب

في سياق تنوع اهتمامات الروائي السوري محمد فتحي المقداد، بين القصة والرواية والبحث، يأتي إصدار الكتب الثلاثة («رقص السنابل»، و«على كرسي الاعتراف»، و«إضاءات أدبية»)، بهدف الوصول إلى الرسالة التي يحملها المؤلف في مسيرته الإبداعية، وللوقوف على النبض الإبداعي في تجلياته المختلفة.

ذاكرة حوران التراثية

في كتابه «رقص السنابل.. من ذاكرة حوران»، يرى المؤلف المقيم في محافظة إربد، أن التراث ليس ترفا نلجأ إليه، ولكنّه ميدان واسع فسيح لذوي الهمّة من الدّارسين الأكاديميين والهواة، لتوثيق ما يستطيعون. فالتراث هويّة الشّعوب، وهو نوع من أنواع المقاومة في وجه التغيرات السّريعة، التي تعصف بمجتمعاتنا عامّة، وذلك للمحافظة على ثوابتنا القيميّة، كي لا تفقد الأجيال الحاليّة والقادمة صلتها وروابطها بماضيها وتاريخها، فالصّراعات كثيرا ما تدور من أجل التّاريخ وعلى التّاريخ، كما حدث مع الحركة الصّهيونيّة وصراعاتها لإثبات جذورها في فلسطين، التي احتلّت أرضها وطردت شعبها، ولم تكتفِ بذلك بل لجأت بالسُّبُل المُتاحة كافة لسرقة التراث الفلسطينيّ، وتجريد أهله وصانعيه منه.

ويضيف المقداد في مقدمة كتابه الواقع في 113 صفحة من القطع الكبير: «في بلاد الشّام تتشابه الكثير من الحالات التي دوّنتها في كتابي، لذلك ركزت على أهل حوران حصرا؛ لتفادي اختلافات الكلام ومؤدّاها، فما هو سائد هنا غير معروف هناك، فكلّ منطقة جغرافيّة لها سمة تختلف عن سواها».

ويرى المقداد أن التراث خلاصة تجربة حياتية للأجيال السابقة، انتقلت للأجيال اللاحقة عن طريق الشفاهية، بما تحمل من أنماط معيشية وأخلاقية ومعاملات واعتقادات وذكريات، ويحمل تفسيرات شعبية لأحداث تاريخية، تحكي عن «أبطال تاريخيين» من خلال الرؤية الشعبية التي تحمل من الخيال والرموز التي تخدم الأهداف الاجتماعية والثقافية.

ويعرض المقداد لمواد التراث وأقسامه، وهي المعتقدات والمعارف الشعبية، والتقاليد الشعبية، والأدب الشعبي، كما يقدم عرضاً لأنواع الأدب الشعبي، وفنون الألعاب الشعبية، والفنون التشكيلية الشعبية.

وتناولت موضوعات الكتاب، بالشرح والقراءة والتحليل، الاعتقادات الشعبية الأسطورية، والعين والخرزة الزرقاء، والقمح في ذاكرة حوران، والخبز والمعجنات، واللباس في التراث الحوراني، والعباءة والعقال في تراث حوران، والعادات الرمضانية، والمسحراتي، وطب الخوابي، وفن الهوهاية، والختان، والجاهة والعطوة، والذبائح ومناسباتها، وردّة الرجل، ومناسبة الثلج، والمحفرة.

ذاكرة الإيقاع الإبداعي

وفي كتابه «على كرسي الاعتراف» الواقع في 111 صفحة من القطع الوسط، يفتح المقداد آفاق التجربة، ويسافر عبر مراياها، واضعاً القارئ أمام صورة المرايا، شارحاً مفردات القلق الإبداعي الذي تنوعت رواياته، واشتراطات الحضور الإبداعي، في حوارات عقدت أسئلتها الصحف المحلية والعربية، والمواقع الإخبارية، وصفحات التواصل الاجتماعي.

وفي حوار نُشر في صحيفة «الرأي»، يقول المقداد: «بعد قدومي إلى الأردن مع نهاية ٢٠١٢، عبر الساتر الترابي، وصلتُ منهك القُوى، وبعد فترة من الشعور بالأمان والطمأنينة على نفسي وأطفالي، نزلت السكينة على قلبي بردا وسلاما، واستعدتُ من جديد أفكاري، وصحوتُ إلى قلمي وأوراقي، كما أنّ مناخ الحريّات الشخصيّة، والوسطيّة السياسيّة المتسامحة في الأردنّ، فتح لي آفاق الكتابة بلا حدود، وكان ذلك منعطفا تاريخيّا في حياتي الأدبية، إضافة للوسط الثقافي الذي فتح قلبه وصدره، وقدّم بلا تحفّظ ساحته ومنصّته، حتى اكتملت مسيرتي، وتكللت بالنجاحات والشهرة». ويضيف: «في داخل كلً منّا حكواتي يثرثر بلا انقطاع، وأثناء كتابتي في الأعمال الروائيّة والقصصيّة، ينطلق هذا الحكواتي الذي ينتظر فرصته للإفلات من عقاله، ليستجلب أشياء وحوادث من مجاهل الذّاكرة الني طواها النسيان؛ فتكون مادة دسمة مساعدة على استكمال الفعل الكتابيّ، وجعله متماسكا مُتكاملا مُقنعا».

ضوء على المنجز الإبداعي

في كتاب «إضاءات أدبية»، الواقع في 238 صفحة من القطع الوسط، يسلط المقداد الضوء على عدد من التجارب الإبداعية، وإذ يؤكد المؤلف أن كتابه هو إضاءات سجّل فيها ما استقر في قلبه من اطمئنان لما قرأ وطالع، إلا أنه يقدّم مفاصل نقدية يُبنى عليها دراسات مستفيضة، وتشكل في رؤيتها مفاتيح للوصول إلى لحظات الإنجاز الإبداعي لما قرأ وطالع.