... هنالك مطعم يقدم المنسف (بالكاسة)، ويروج لذلك عبر إعلانات... وقد يقول قائل هل انتهت كل مشاكلنا؟ حتى نعترض على طريقة تقديم المنسف... القصة ليست وجبة طعام ولكن القصة مرتبطة بتراث شعب، قبل أن تكون وجبة طعام..

أنشئت «اليونيسكو»، وكلفت الميارات من الدولارات لأجل غايات أساسية وهي التعليم والثقافة والحفاظ على تراث الشعوب، والمنسف جزء من تراث وطني... وما يحدث هو ليس قصة طعام بل هو تسخيف للموروث الشعبي وحين تسخف موروث شعب بهذا الشكل فالأمر يعتبر مقدمة لتسخيف ما هو أهم، وبالتالي تمييع الهوية أو تذويبها.

هل أبالغ؟ أنا لا أبالغ، لأن صحن الفول في مصر، هو هوية (الغلابى).. وهذا الصحن كلف مليارات الجنيهات من أجل تحسين نوعيته في الزراعة، والكثير من ساعات من البث، فالمصري لايعتبره وجبة، بقدر ما هو هوية تشكلت عبره حياة الفلاحين، والبيروقراط... حتى المسرح والفن، صار طبق الفول يدخل فيهما.. كتعبير عن قوة وصلابة المجتمع..

وفي لبنان، حين حاولت إسرائيل أن تروج للأطباق اللبنانية، كجزء من التراث الإسرائيلي لدى مجتمع السياحة في أوروبا، حدثت حرب إعلامية بين البلدين، واستفز الإعلام اللبناني.. لأن الأطباق هناك شكلت منظومة سياحية فريدة، ولأن لبنان أهم هوية لها في الغرب هي الطعام.. فأنت حين تخبر فرنسيا عن مطعم لبناني، حتما سيعرف الأطباق.. لكن إذا طلبت منه أن يعدد أسماء مدن الشاطىء اللبنانية فلن يعرف...

الطعام يدخل في الموروث الوطني لأي شعب، في عمان مثلا.. الإخوة من العراق الشقيق بنوا منظومتهم الغذائية عبر سلسلة من المطاعم التي تقدم الأطباق العراقية، لأن العراقي بطبعه لا «يشبع».. ولا يحس برائحة الوطن إن لم تكن (الدولمة) على مائدته، وإن لم يزينها بالكباب العراقي..

القصة ليست مزحة، والقصة ليست (ولدنة).. فالمنسف هو جزء من هوية شعب، وهو موروث اجتماعي ووطني مهم، وعلى وزارة السياحة ووزارة التجارة والصناعة أن تتعامل مع هذا الأمر بنوع من الجدية، لأن تسخيفه بهذا الشكل، لايقع في إطار الترويج لسلعة بقدر ما يقع في إطار الإساءة للموروث، وللعادات والتقاليد..

عندما شاهدت الإعلان شعرت بامتعاض شديد، قلت في داخلي أن البعض سيلومني وسيقول ربما هل نفذت كل قضايانا.. وبقيت قضية (الكاسة والمنسف)؟ وأنا اقول أن الخراب يبدأ من التفاصيل الصغيرة، فالسوس غالبا ما ينخر حواف الخشب.. ثم يتغلغل، والصدأ ينتج من نقطة ماء، نسيناها ولم ننتبه.. لكن مع الزمن تكون العواقب كارثية.

لماذا إذا ننفعل لأجل قوانين الملكية الفكرية، ولا ننتج ولو قانونا واحدة لصون التراث.. والتراث ليس مرتبطا بالعمران، والحياكة.. والبيوت القديمة، المنسف هو جزء أصيل من تراثنا ويعبر عن هوية شعب.

في فلسطين، تكية إبراهم الخليل.. منذ مئات السنين مازالت تقدم (القدرة) الخليلية للمحتاج وعابر الطريق ولمن كان مغتربا عن فلسطين، ولو خيروا واحدا من أهل الخليل، بين كل فنادق تل أبيب..وبين أن يشم رائحة القدرة في (تكية ابراهيم) لما بدل الدنيا كلها.. بتراب الخليل وأطباق الخليل.. وهوية الخليل...

فلنتعلم من هذه الشعوب الحية..

Abdelhadi18@yahoo.com