كتب المحرر السياسي

رغم بؤر التوتّر العديدة والاحتمالات المفتوحة لاندلاع صراع مُسلّح, بين قوى دولية كبرى وأُخرى اقليمية طامحة للعب ادوار مُعينة في المشهد الدولي المحتقن والمأزوم الذي بات عليه عالمنا, وبخاصة بعد ما خلّفته جائحة كوفيد-19 من اثار اقتصادية واجتماعية ومالية كارثية على معظم دول العالم وإن بدرجات مختلفة، وعلى رغم الازمة الافقية والعامودية التي تعيشها الادارة الاميركية وبخاصة ظهور بوادر التعب والشعور بقرب مغادرة الرئيس الاميركي ترمب البيت الابيض, في ظل استطلاعات الرأي وعلى ضوء التخبّط والإرتجال الذي يميز خطوات فريق ترمب التنفيذي والاستخباري, والملف الجديد الذي فتحَه الديمقراطيون بعد تسريبات صحيفة نيويورك تايمز حول معلومات استخبارية قيل ان الوكالات الاميركية حصلت عليها ولم يُعِرها الرئيس الاميركي الاهتمام الذي يجب ان يوليه لقضية حساسة كهذه، تقول: ان روسيا كانت على اتصال بعناصر من حركة طالبان الافغانية مُشجِّعة إياها على قتل المزيد من الجنود الاميركيين مقابل مكافآت مالية تمنحها لكل من ينجح في قتل عسكري اميركي، ناهيك عن الانخراط الاميركي في تأجيج اكثر من بؤرة توتر وصراع, وفي المقدمة منها الجدل الدائر في اسرائيل حول صفقة القرن والجزء المُتعلّق بضم 30% من مساحة الضفة الغربية بما فيها غور الاردن، فإن الازمة الليبية تبدو وكأنها ذات مكانة خاصة في لعبة الامم وصراع المحاور الدائر الان بضراوة في جنوبي اوروبا وشرق المتوسط وشمال افريقيا, بكل ما تعنيه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية ضخمة كالغاز والنفط, فضلاً عمّا يعكسه إنتصار أي من المحاور المتقابلة على موازين القوى العالمية التي تتميز راهِنا بعدم الثبات واحتمالات حدوث اختلالات خطيرة, قد تدفع الذين يتوقّعون الإنتصار, الى خوض معارك لم تكن في وارد الذين يُمكن ان يكونوا لاحقاً في مُعسكر الخاسرين.

أياً يكُن مآل الصراع المتمادي فصولاً, والذي يعكسه خصوصاً التراشق الاعلامي والتصعيد الدبلوماسي بين عضوين أطلسيِّيْن هما تركيا وفرنسا, وخصوصاً الغضب الذي تُبديه الاخيرة حيال ما تراه تجاوزاً خطيراً من انقرة, ليس فقط بعد ان اتهمتّها بالتحرّش باحدى سفنها الحربية اثناء مشاركتها في عملية «إيريني» الأطلسية الرامية مراقبة السواحل الليبية لمنع وصول السلاح للأطراف المتحاربة والشكوى التي تقدمت بها باريس ضد انقرة لدى قيادة حلف شمال الاطلسي، إضافة الى اتهامات تركيا لفرنسا بانها تعمل لصالح «تمكين» روسيا في ليبيا، فإن النشاط الدبلوماسي المكثف الدائر الان, او تحديداً منذ توقّفت المعارك عن خط (سرت – الجفرة) والذي اعتبرته اطراف عدة بانه (خط احمر) ممنوع على تركيا تجاوزه كونها حليفة حكومة الوفاق الليبية التي يرأسها فائق السراج, وبروز توقعات باحتمال دخول مصر على الخط والانخراط في حرب مفتوحة مع تركيا, لانها (القاهرة) ترى في ما يحدُث في ليبيا مسّاً بأمنها القومي لا يمكنها تجاهله. ولهذا أتخذت موقفاً حازماً ازاء اي محاولة لاجتياح سرت والوصول الى قاعدة الجفرة الاستراتيجية، الأمر الذي أسهم ضمن امور اخرى في «فرز» مِحوريْن.. احدهما يدعم حكومة عبدالله الثني في طبرق والتي يتصدّر مشهدها الان رئيس البرلمان عقيلة صالح،مع تراجع ملحوظ حدود الاختفاء للمشير خليفة حفتر, الذي يبدو ان الهزائم العسكرية التي لحقت بجيشه قد أسهمت في تراجع أسهمه، وهو (مِحور بنغازي/ طبرق) يحظى بدعم مصري واماراتي وفرنسي وروسي وسوري, فيما يجد السراج نفسه في وضع افضل بكثير مما كانت الامور عليه, عندما كانت كتائب جيش حفتر تُحاصر العاصمة طرابلس وتُمطر احياءها بقنابل المدافع والطائرات, وبدا في لحظة ما بعد الرابع من نيسان 2019 (وهو إطلاق حفتر لمعركة تحرير طرابلس كما وصفها) وكأن العاصمة الليبية باتت قاب قوسين من السقوط في يد حفتر, لكن انخراط تركيا في الحرب الى جانب اليراج وإرسالها المزيد من العسكريين والعتاد والاسلحة, فضلاً عن المرتزقة من حلفائها في المنظمات الارهابية السورية, رجّح كفة ميليشيات حكومة السراج وجعل ميزان القوى يميل لصالحها.ٍ

ما يجري الان من تحرّكات وما يُطلق من تصريحات متناقضة واحياناً لاذعة واتهامية, تدفع للاعتقاد بان حل الازمة الليبية سياسياً وعبر حوار وطني جامع لم يَنضُج بعد, وبالتالي فإن الخيار العسكري لم يسقط نهائياً. رغم إصرار الاطراف ذات الصلة كافة على تكرار العِبارة التي لم تُترجم ميدانياً بعد وهي ان لا حل عسكرياً للازمة الليبية وان الليبيين محكومون بالحوار وتقاسم السلطة, حتى لا يجدوا بلادهم وقد تقاسمتها الميليشيات وخضعت لهيمنة قوى اقليمية ودولية, طامعة في ثرواتها ومعنية باستغلال موقعها الاستراتيجي في أجواء صراع دولي محتدم, يكاد يشبه أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والسوفياتي.

من السابق لاوانه التسليم بالرواية التركية التي تتحدث عن انتصار للحكومة «الشرعية» التي يرأسها السراج, وبخاصة ان انقرة تُبدي تسرعاً ملحوظاً في سعيها اللافت للبدء في الكشف عن الغاز والنفط في السواحل الليبية، كذلك إرسالها المزيد من رجال الاعمال واصحاب الشركات ورؤوس الاموال للاستثمار او عقد الصفقات مع ليبيا. التي يعاني شعبها فقراً وبطالة ونقصاً في فرص العمل والمواد الغذائية وانهيار الخدمات.

كذلك الحال في ما خص «الغضب» الفرنسي من تركيا ودعوة باريس الاتحاد الاوروبي الى فرض المزيد من العقوبات على انقرة, في الوقت ذاته الذي تستغل فيه موقف حكومة اردوغان من «مصير» متحف ايا صوفيا ورغبة الرئيس التركي في إعادة المتحف (الكنيسة سابقاً) الى مكانته كجامع للمسلمين. وهو أمر ضغطت واشنطن وباريس ولندن ودول غربية عديدة من اجل كبحه, وعدم تغيير صفة الكنيسة كمتحف منذ العام 1932. ما اثار غضب الرئيس التركي ودفعه للإعلان عبر الناطقين باسمه تلك الدول الى «التزام حدودها وعدم الإملاء على تركيا ما يجب عليها عمله, لانها دولة ذات سيادة» كما قال اكثر من ناطق رسمي.

الازمة في ليبيا لن تسقط قريباً عن جدول الاعمال الدولي والاقليمي, واطراف الازمة عربياً واوروبيين وخصوصاً اميركا وروسيا ما تزال تُواصل العمل على ايجاد معادلة مغايرة عن تلك التي تكرّست في حزيران الماضي, وجعلت من خط سرت - الجفرة خطأ احمر لدى دول معينة, وخطاً وهمياً لدى الاطراف المقابلة. الأمر الذي يُنذر باندلاع مواجهة جديدة قد تتدحرَج الى حرب مفتوحة. يصعب توقّع مداها او الاطراف التي ستنخرط فيها وتلك التي لن تسمح لنفسها بأن تقف مُتفرِّجة, تنتظر نتائج قد تكون كارثية بالنسبة لـِ«المُتفرِّجين».