ترجمة: ديما جعفر الدقس

جميعنا يعرف التحول المادي الذي يحدث في مرحلة الشيخوخة، إذ يفقد الجلد مرونته وتتراجع اللثة وتنمو أنوفنا بشكل أكبر، الآن وبعد عقود من البحث في آثار الشيخوخة على المدى البعيد اكتشف العلماء تغيرًا آخر أكثر غموضاً، إذ يقول عالم النفس في جامعة إدنبره رينيه ميتوس:"الاستنتاج هو بالضبط أننا لسنا نفس الشخص الذي كان على مدى سنوات حياتنا الماضية وفي كل مرحلة تتغيّر فينا نظرتنا للحياة وتتجدد لدينا بعض المشاعر»، بعيدًا عن نظرية ثبات شخصيتنا في مرحلة الطفولة حتى سن الثلاثين تقريبًا–كما اعتقد الخبراء لسنوات أن شخصياتنا مرنة ومستقرة نسبياً طوال حياتنا- لكن البحث يشير إلى أن الأمر ليس كذلك؛ إذ تتحول سماتنا عن أي وقت مضى وبحلول الوقت الذي سنكون فيه في السبعينيات والثمانينيات من عمرنا، سنكون قد خضنا تحولًا ملفتاً وكبيرًا، وبينما نحن معتادون على معالجة آثار الشيخوخة من حيث تدهور الصحة، فإن التغيّر التدريجي لشخصياتنا مع التقدم في العمر له مكاسب قيّمة وذات أهمية.

إذ نصبح أقل عصبية وأكثر شعورا بالآخرين ويستيقظ ضميرنا أكثر من أي مرحلة عمرية سابقة مع شعورنا باقتراب الموت، كما تنخفض لدينا مستويات النرجسية والاعتلالات النفسية ما يقلل السلوكيات المعادية للمجتمع مثل الجريمة وتعاطي المخدرات، وقد أظهرت الأبحاث أن سلوكيات مثل الإيثار والحصول على ثقة الآخرين وقوة الإرادة وروح الدعابة تتطور بشكل إيجابي، كما تزداد حساسيتهم وشاعريتهم تجاه الأشياء، يقول ميتوس: «يصبح الناس أجمل وأكثر تكيفًا اجتماعيًا، إنهم قادرون بشكل متزايد على موازنة توقعاتهم الخاصة للحياة مع المطالب المجتمعية».

يطلق علماء النفس على عملية التغيير التي تحدث مع تقدمنا في العمر «نضج الشخصية»، إنه تغيير تدريجي غير محسوس يبدأ في سنوات مراهقتنا ويستمر حتى عقدنا الثامن، تقول روديكا داميان، عالمة علم النفس الاجتماعي في جامعة هيوستن: «بشكل عام، من المثير للجدل وضع أحكام قيمة على هذه التغييرات في الشخصية، ولكن في الوقت نفسه لدينا أدلة على أنها مفيدة على سبيل المثال تم ربط الاستقرار العاطفي المنخفض بمشاكل الصحة العقلية وارتفاع معدلات الوفيات والطلاق وفي الوقت نفسه توضح أن الشريك الذي يتمتع بضمير حي سيكون على الأرجح أكثر سعادة لأنه سيقوم بإعداد المهام في الوقت المحدد كما تقل نسب الخيانة».

ونظرًا لأن نضج الشخصية أمر عالمي، يعتقد بعض العلماء أنه بعيد عن كونه عرضًا جانبيًا بسبب وجود وقت أطول لتعلم القواعد، فإن الطرق التي تتغير بها شخصياتنا قد تكون مبرمجة وراثيًا–ربما حتى تتشكل من قوى جينية.

من ناحية أخرى، يعتقد البعض أن شخصياتنا تتأثر جزئيًا بعوامل وراثية، ثم يتم صقلها بواسطة الضغوط الاجتماعية على مدار حياتنا، على سبيل المثال وجد بحث أجراه ويبك بليدورن، وهو عالم نفس في جامعة كاليفورنيا في ديفيس، أنه في البلدان والثقافات التي يُتوقع فيها من الناس أن ينضجوا بسرعة أكبر–الزواج، البدء في العمل، وتحمل مسؤوليات الكبار–تميل شخصياتهم إلى النضوج في سن أصغر، إذ يضطر الناس إلى تغيير سلوكهم فقط مع مرور الوقت ليصبحوا أكثر مسؤولية تقول داميان: «تتغير شخصياتنا لمساعدتنا على مواجهة تحديات الحياة وأعبائها».

في الواقع، ترتبط شخصياتنا ارتباطًا وثيقًا برفاهيتنا مع تقدمنا في العمر، على سبيل المثال، أولئك الذين لديهم سيطرة على الذات هم أكثر صحة في الحياة والنساء ذوات المستويات العالية من التوتر والعصبية أكثر عرضة للإصابة بأمراض انقطاع الطمث وقد ارتبط انخفاض النرجسية بمعدلات أقل من الوحدة والتي في حد ذاتها عامل خطر للموت المبكر.

إن المعرفة التي تغيرها شخصياتنا طوال حياتنا، سواء أردنا ذلك أم لا دليل مفيد على مدى ملاءمتها، فمن المهم أن نعرف ذلك لفترة طويلة، نرى الآن أن شخصياتنا يمكن أن تتكيف وهذا يساعدنا على التعامل مع التحديات التي تطرحها علينا الحياة.