آبواب - أمل الكردي أخصائية الاحتياجات الخاصة والعلاج السلوكي

لا شك ان مرحلة الطفولة تحمل في طيات سنيها المنصرمة ذكريات جميلة تدعونا الى الحنين اليها واسترجاعها في لحظات ومواقف كثيرة لدرجة اننا من الممكن ان نتمنى امنيات مستحيلة مثل العودة الى تلك المرحلة واعادة التجربة الجميلة التي لا تزال تتسلل إلينا حتى ولو بصورة أحلام يتوقف معها الزمن لِتُحْيي ذلك الطفل داخلنا من جديد.

لكن ماذا يحصل لتلك الذكريات إن أتت مشوهة ومؤلمة لدرجة المرارة والاسى؟وهل من الممكن فعلا ان يكون هناك طفولة مرة؟ وكيف تؤثر مرحلة الطفولة لاحقا على صحتنا النفسية؟

عند تجربة أمر مؤلم نفسياً لا يختلف سلوكنا تجاهه عن مواجهتنا لأمر آلمنا جسديا بمعنى أننا نحتاط جيدا في المرات القادمة ولا نقترب من مسببات الالم بل نضع حاجزا منيعا داخل أدمغتنا ينبهنا دائما من الاقتراب من ذلك الأمر المؤذي. لكن المعروف والشائع أن أثر الألم النفسي قد يستمر لسنوات طويلة وللاسف في بعض الأحيان لا يزول ذلك الألم بل ينتقل معنا من مرحلة الطفولة الى المراهقة من ثم الشباب الى أن نصل إلى مرحلة الشيخوخة خصوصا لو لم يتم علاج الامر ليطفو على السطح ونقوم بانتشاله والتخلص منه. الخبر المفرح أن الأطفال لديهم القدرة على التكيف بشكل أفضل وأسرع من الكبار وبالتأكيد نحن لا نعيش حياة مثالية خالية من المشاكل والعقبات بل إن وجود المشاكل أمر طبيعي وصحي يؤثر في شخصيات اطفالنا ايجابا ويجعلهم أقوى ويوفر لهم خبرة حياتية تجعل تعاملهم مع المصاعب والعقبات أكثر مرونة، كل ذلك في حال لم تصل المشكلات والعقبات الى مرحلة تسبب للطفل ألما جسدياً ونفسياً. إن ما يحصل عند تعرض الطفل إلى تجارب مريرة ومؤذية هو تخزين تلك الذكريات في دماغه بمنطقة اللاوعي تحديدا، و المخيف في الأمر أن مشاعر الحزن والألم والمرارة تعود بطريقة غير منظمة يصعب التنبؤ بها فمن الممكن أن يحدث موقف بعد تجاوز سن الطفولة يعود بالمشاعر إلى الخلف دون تذكر الحادث المؤلم نفسه وكأن التفكير أصبح آلياً ياتي بشكل مبرمج يؤدي الى مشاعر مؤلمة دون سبب مباشر.

ما هي الأسباب المؤدية الى تلك المشاعر؟

-تعرض الطفل للتعنيف المستمر سواء كان تعنيفا معنوياً او مادياً.

-تعرض الطفل لمقارنات مستمرة وأسلوب المفاضلة بينه وبين الاخرين والتقليل من قدراته والسخرية منه.

-تعرض الطفل الي تحرش جنسي مستمر ومتكرر مع عدم قدرته على إخبار أهله أو أنه ربما اخبرهم ولكن لم يتم إنصافه لسبب او لآخر.

-تعرض الطفل للتنمر في مراحل مختلفة من طفولته.

-حدوث انفصال بين الوالدين مع وجود مشاكل بعد ذلك وتحول حياة الطفل الى ساحة معركة.

-وفاة أحد الوالدين أو ابتعاده والتعرض لظروف مادية صعبة جدا وعدم قدرة احد الابوين على تحمل المسؤولية وسد النقص الحاصل بفقد الطرف الاخر. وجميع الأسباب المذكورة من الممكن تفادي حدوث مضاعفات نفسية عند الطفل بسببها في حال تمت ملاحظة وجود تغيرات غير مرغوبة على سلوكه وتم التعامل مع الامر بالطريقة الصحيحة لضمان أن لا تنتقل مستقبلا الى مراحل حياته اللاحقة.

كيف نتفادى تفاقم المشكلة والضرر الحاصل بسببها؟

في أي مشكلة او اضطراب مهما كان نوعه طالما تم التدخل مبكرا فان الأمور سوف تسير بشكل أفضل وتنتهي المشكلة باقل الخسائر لأن وجود أهل يتمتعون بإدراك وفهم عال يجعل من التدخل المبكر أمرا ممكنا. ومن ابرز العلامات التي تشير وتدل على احتمال وجود مشكلة لدى الطفل بغض النظر عن نوعها هي التالية:-

-تغير في شهية الطفل تجاة الاكل سواء بزيادة اقباله على تناول الطعام او اعراضه عنه.

-تغيير عادات النوم لدى الطفل بحيث ينام كثيرا او تقل ساعات نومه بشكل ملحوظ.

-تغيرات في مزاج الطفل ونشاطه بحيث اما ان يكون كسولا جدا ولا يرغب بالحركة او العكس تماما.

-تغير في عمليات انتاجه للكلام مثل سكوت الطفل الاختياري او تعرضه للتأتأة.

-تحول الطفل الى سلوك العناد والعصبية المفرطة.

-ممارسة الطفل لسلوكيات سيئة مثل الكذب، السرقة، التصرف بعدوانية باللفظ او الفعل.

-خوف الطفل الشديد من اشخاص محددين ومحاولته تجنبهم وعدم التعامل معهم.

في حال تعرض الطفل لمشاكل عنيفة اثناء طفولته أثرت به وبسلوكه ما هي المشاكل المتوقعة في المراحل العمرية اللاحقة ما لم يعالج الامر؟

-ضعف الشخصية وعدم القدرة على اتخاذ القرارات وتكوين علاقات مع الاخرين.

-اضطرابات نفسية واضحة تحتاج الى تدخل علاجي طويل الامد.

-ميل الى العنف وربما نزعات اجراميه وسلوكيات شاذة متعددة.

-ممارسة كل فعل تعرض له اثناء طفولته على ابنائه او كل من هم أضعف منه بالتالي نقل تلك السلوكيات الي الاجيال القادمة.

و في حالات قليلة لا يتأثر الطفل بكل ما حصل معه ويتخطى الأمر باعجوبة ويحدث عكس ما هو متوقع تماما وتتشكل لديه شخصية قوية ومتزنة لان الصعاب والصدمات قد تولد في بعض الاحوال اشخاص يتمتعون بصفات مميزة جدا.

أطفالنا هم فلذات أكبادنا ومصدر سعادتنا من الجميل أن نبقيهم بعيدا عن أي مشاكل وتحديات ونترك لهم أجواء صحية تتتاسب مع طهارة ونقاء طفولتهم.