الدكتور عامر العورتاني أخصائي علم اجتماع الجريمة

يتعلم الطفل مما يراه، ويصدق كل ما يُقال له، فتعكس رؤيته للعالم رؤية المحيطين به، وإنّ عملية التربية والتنشئة الاجتماعية عملية مستمرة يتحمل الوالدان مسؤوليتها منذ لحظة ولادة الطفل إلى لحظة تسلمه زمام أمور حياته وانطلاقه لبناء مستقبله ومساعدته ليكون عضواً فاعلاً ونشطاً ومؤثراً في نطاق المجتمع، وتستمر هذه العملية ما بقي الوالدان على قيد الحياة ولا تقف عند سن معينة.

إنّ مشاعر الأبوة والأمومة الرائعة والتي تتجلى بالرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية تتضمن مشاركة الأم والأب لنشاطات الأبناء في مختلف المراحل العمرية وبخاصة مرحلة الطفولة، حيث تبيّن أنّ الأطفال الذين حرص والداهما على مشاركتهم نشاطاتهم خلال مرحلة النمو كانت مشاكلهم السلوكية أقل وأصبحوا أفراداً أفضل اجتماعياً وأكاديمياً، فدور الوالدين لا يقتصر على الإعالة والرعاية، بل إنه يتعدى ذلك إلى مشاركة أطفالهما اهتماماتهم ونشاطاتهم، ما يؤثر على النموّ الشامل للطفل بما في ذلك تطوره الفكري وتنمية أدواره ونموه النفسي، فالتواجد الفعلي للأب وليس المكاني فقط يخلق تفاعلاً يعزز دوره الأساسي في تربية الأطفال باعتباره المسؤول الأول عن توجههم وغرس أسس وقيم التربية الحسية واللفظية والحركية لديه، حيث أكدت دراسات عديدة حول النمو المعرفي، أنّ أصل الذكاء الإنساني يكمن في الأنشطة الحسية التي يقوم بها الطفل في مرحلة مبكرة من عمره، والتي تتمثل في استخدام حواسه الخمس، لينتقل إلى الأنشطة الحركية المتمثلة بالألعاب الرياضية، ولا شك أنّ ممارسة الطفل للنشاط الرياضي في سنٍ مبكرة تدعم تشكل العظام لديه، وتعزز قوتها، وتزيد مرونة المفاصل وتقوي العضلات ما يمنحه جسماً سليماً وبنية قوية، الأمر الذي ينعكس على التطور العقلي والذهني للطفل، ويحافظ على توازن صحته البدنية ويزوده بمناعة قوية، ما سينعكس على مستواه الدراسي وتحصيله الأكاديمي.

تعتبر الرياضة نشاطاً اجتماعياً تربوياً يمكن مشاركته مع أفراد الأسرة، فهي تُسهم في تعزيز الثقة بالنفس لدى الطفل، وتُنمي روح الفريق والعمل الجماعي في نفسه، لذلك تقع على الأسرة مسؤولية توجيه الأبناء نحو ممارسة مختلف النشاطات الرياضية، بما يراعي عُمر الطفل ورغبته وقدراته الذهنية والعقلية، وفق دليل مفصّل ينظم هذا النشاط وفقاً للمعطيات السابقة، فمنذ سن الثانية إلى الخمس سنوات يبدأ الطفل في ممارسة الرياضة بشكل حُر وغير منظّم، والغاية أن يُتقن الحركات الرئيسية ويمارس الجري ضمن مسافات آمنة، ولا يُتوقع منه في هذه المرحلة أن يمارس الرياضة وفق قواعد وقوانين اللعبة، أما في المرحلة ما بين سن السادسة إلى التاسعة، فإنّ الطفل وقد نما جسمه وقدراته الذهنية والعقلية، فإنّ استعداده للمنافسة واللعب الجماعي أصبحت أكثر جاهزية، عندها يمكن له ممارسة الرياضة بشكل منظّم وتحت إشراف كادر تدريبي مختص كالفروسية وكرة القدم أو رياضات فنون الدفاع عن النفس، وفي المرحلة ما بين سن العاشرة إلى الثانية عشرة، فإنّ قدرات الإبصار ومتابعة تواتر الحركات تتطور لديه فتعينه أكثر على تطبيق استراتيجيات اللعب، وإن أكثر ما يجب مراعاته هو حق الطفل في اختيار نوع الرياضة التي يستمتع في ممارستها–ما لم تكن خطيرة أو مجهدة بالنسبة إليه -، فإظهار الاهتمام والتقدير لرغبة الطفل يشجعه على تقبّل التوجيه والإرشاد وبناء علاقة أكثر متانة وثقة مع الوالدين، فيزداد نشاطه ومشاركته واستمتاعه بالرياضة التي يمارسها، وإنّ المحيط الإجتماعي يؤثر بشكل كبير على إقبال الطفل على ممارسة نشاط رياضي معين، فالأسرة والمدرسة والزملاء وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والتي بذلك تشمل البيئة الداخلية والخارجية تسهم في نشكيل الاتجاهات وبناء الشخصية وتؤسس للعب دوراً هاماً في توجه وصقل قدرات ومهارات الطفل الرياضي.

إنّ المساعدة في تعزيز أهمية النشاط الرياضي يعطي للطفل شعوراً استثنائياً بالسعادة والاحساس بالتقدير، فالأداء الحركي النشط دليل على صحة الطفل ونموه السليم جسدياً ونفسياً، وبالمقابل فإنّ عدم ممارسة الطفل للأنشطة الرياضية المختلفة يؤثر سلباً على الأطفال والمراهقين، إذ يُصاب بعضهم بالخمول والكسل الذهني بسبب انخفاض تدفق الدم إلى الدماغ وضعف الدورة الدموية، مما يؤثر على الوظائف الفكرية فيقلل من التركيز والقدرة على الاستيعاب بشكل مستمر، إضافة إلى توقع الإصابة بالسمنة ومضاعفاتها.

من هنا فإن على الأسرة أن تشجع أبناءها على الاهتمام بالرياضة على نفس الدرجة من الاهتمام بالتحصيل العلمي، إذ يجب التخلي نهائياً عن فكرة أنّ الرياضة تشكل خطراً وتهديدا على التحصيل الدراسي لما تشغله من وقت في يوم الطفل، لأن الرياضة لها فوائد تنعكس على أبنائها اجتماعيا وترويحيا،وبما أنّ الأسرة تعتبر المجتمع الإنساني الأول الذي يتعرف اليه الطفل وهي المصدر الرئيس الذي يكتسب منه الأبناء الخبرات والمهارات الأساسية والقيم، فإنّ الأب يعتبر المعلم والمدرب والموجه الأول لأطفاله، وهم يرصدون بدقة اهتماماته وحركاته وانطباعاته ويتبنون مواقفه، فما الذي يمنع من مشاركة الأبناء نشاطاً رياضياً ما، وأن تُستغل هذه المشاركة لغرس قيم الصدق والوفاء والمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. من الضروري كذلك التأكيد على دور الأوساط التربوية في توسيع قاعدة الاهتمام بالرياضة من خلال الحصص الرياضية المشوقة الهادفة والنشاطات اللامنهجية والتأكيد على دورها المؤثر في التنشئة الاجتماعية، وتوجيه وسائل الإعلام المختلفة لتعزيز دورها التوعوي بالتركيز على أهمية ممارسة الألعاب الرياضية المختلفة لما لها من دور فاعل في تجذير وتعميق التنشئة الاجتماعية السليمة والتي تنتهج المبادئ العلمية والأسس الراسخة في بناء الجيل الجديد، بالتقارب مع القطاعات المعنية بالشأن والنشاط الرياضي، ليكون دورها أكثر شمولية وأعمق تأثيراً بالمساهمة في بناء مستقبل النشء.

Dr.Amer.Awartani@Gmail.Com