عمان - حنين الجعفري

تبادل رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، ضمن جولته في تفقد سير العمل بمشروع الباص السريع، الحديث مع مجموعة من الشباب والشابات العاملين في المشروع وثمّن إقبالهم على فرص العمل المتوافرة في هذا القطاع وأكد أن قطاع الإنشاءات يوفر فرص عمل للشباب.

كما دعا الشباب إلى أن يتقدموا إلى هذا القطاع دون الالتفات إلى ثقافة العيب، خصوصا أن هذا القطاع يوفر عائدا ماليا جيدا وأمانا وظيفيا.

وما تزال ثقافة العيب تشكل عائقا أمام بعض الشباب، هذه الثقافة المتفشية في مجتمعنا أحالت إلى تفضيل بعض الشباب أن يكونوا عددا مدرجا ضمن قائمة البطالة على الالتحاق بفرص عمل يدرجها بعض أفراد المجتمع ضمن ما يسمى «ثقافة العيب».

الإشكالية هنا ليس في لجوء الشباب إلى فرص عمل أدرجوها في قائمة ثقافة العيب، بل هو بأساس وجود هذه الثقافة فلعل ضعف السياسيات والتدابير حالت الى تعميق هذه الثقافة في عقول الشباب الاردني لان فرص العمل هذه بالأغلب لا يكون مردودها المادي جيدا نوعا ما بالإضافة إلى أن فرص التطور التي يطمح بها كل شاب شبه معدومة في هذه الفرص حتى أن الأمان الوظيفي فيها غير موجود.

هذه الأسباب وغيرها دفعت الشباب إلى الابتعاد عن هذه الأعمال التي صنفوها بالعيب، ولكن ضمن الظروف الصعبة التي سببتها جائحة كورونا وبما أن فيروس البطالة تفوّق على هذه الجائحة، هل يلجأ الشباب إلى تحدي ثقافة العيب بسبب فقدانهم لوظائفهم؟

وأظهر تقرير أصدرته دائرة الاحصاءات العامة ارتفاع معدل البطالة خلال الربع الاول من العام الحالي إلى (19.3%) بارتفاع مقداره 0.3 نقطة مئوية عن الربع الأول من عام 2019.

كما تشير التوقعات إلى احتمال ارتفاع مستوى البطالة إلى 27% تقريبا، وهو ما يستوجب اتخاذ اجراءات حكومية بأسرع وقت للتصدي لهذه المشكلة.

حيرة وإرباك

الشاب محمود عبد الحليم يرفض أن يقوم بأي عمل لا يتناسب مع خبرته وتحصيله العلمي. ويعلل ذلك بأن الشباب ترسخت في عقولهم الأعمال المكتبية، فأصبح أي خريج «لا يرى أمامه إلا هذه الفرص من العمل.. وأنا منهم».

غير أن طبيعة بعض الأعمال والصفات التي تحملها، كطبيعة هذه المهن والدخل القليل وعدم الارتقاء بهذه المهن، الى وانعدام الأمان الوظيفي، كلها عوامل شاركت في صوغ مفهوم ثقافة العيب.

ويخالفه الرأي الشاب «عمر حسن»؛ فيقول أنه بسبب الوضع الراهن والآثار السلبية بسبب جائحة كورونا، التي طاولت جميع القطاعات، «فقد أضطر للالتحاق بأي فرصة عمل تتاح لي حتى لو كنت أرفضها في الماضي وأدرجها ضمن مسمى ثقافة العيب بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية.

ولكنه يشدد على أن على الحكومة أيضا أن تنعش وتطور هذه القطاعات لتشجع الشباب على العمل بها ولتغير نمط تفكيرهم بما يسمى ثقافة العيب».

مسؤولية الحكومة وأرباب العمل

الخبير الاقتصادي حسام عايش يقول أن ثقافة العيب ليست في الشباب، بل هي في أرباب العمل؛ فعدم التطور في هذه المهن بالإضافة إلى قلة الدخل مقارنة بالوظائف الأخرى وطبيعة ووقت العمل، كلها أسباب جعلت هذه المهن تقتصر على العمالة الوافدة التي لا نستطيع أن نغفل عن دورها في ما يتحقق بالنمو الاقتصادي.

ويلاحظ أننا أصبحنا أسرى لهذه الثقافة؛ فالشباب الأردني يرغب بالأعمال المكتبية ويبتعد عن الأعمال الإنشائية وبعض القطاعات كالزراعة والحرف بسبب انتقال الشباب والعمالة الأردنية إلى الثقافة والتعليم، فالشباب في عمر التخرج من الجامعة يكون في أعلى مستويات الأنا، لذا لا يمكن أن يعمل في مهن تمثل له ثقافة عيب.

ويرى عايش أن للحكومة حصة كبيرة من ترويج هذه الثقافة؛ لأن «تفكيرها تقليدي»، فيجب عليها أن تستحدث وظائف وتتحمل مسؤولية النمو الاقتصادي وأن تقف على الأسباب التي تجعل العمالة الأردنية لا ترغب بالمهن التي تقوم بها العمالة الوافدة.

وينبه إلى أن هناك قطاعات مثل الزراعة يجب العمل على تطويرها بتقديم قروض ومنح ومساعدات لتحسينها وتطويرها مما يجعل طالبي العمل يتدافعوا لمثل هذه القطاعات وتصبح محل فخر لهم.

ويشدد عايش على أهمية أن نستعيد أداء هذه المهن والقطاعات لتتلاءم مع تطلعات الشباب ولتوفر دخلا أعلى ومستقبلا أفضل لهم.

وحول دعوة رئيس الحكومة الرزاز للشباب إلى التوجه إلى قطاعات الانشاءات وتحدي ثقافة العيب يقول عايش: لم تحدد الحكومة في هذه الدعوة التطلعات المستقبلية لهذه المهن ولا الخبرات التي سيحصل عليها الشباب ولا الدخل المستحق.

وبرأيه «لا بد من وجود خريطة طريق للارتقاء بهذه القطاعات والمهن التي يبنى عليها الاقتصاد بحيث تجعل الشباب أول ما يفكر بها.

أسباب موضوعية وذاتية

الخبير الشبابي الدكتور محمود السرحان يقول أن لثقافة العيب عدة أسباب، منها ما هو ذاتي مرتبط بالفرد نفسه ومنها ما هو موضوعي مرتبط بعوامل اجتماعية وثقافية وتاريخية وغيرها.

وبرأيه: «لعل الاتفاق بأن تحقيق التعليم الشامل للجميع وتمهينه ساهم إلى حد كبير في زيادة حدة المشكلة وانتشار هذه الثقافة، فضلا عن تدني سلم الرواتب».

ويرجح في ظل الظروف الحالية المترتبة من جائحة كورونا، أن يلجأ الشباب إلى تجاوز ثقافة العيب؛ «فالحاجة أمّ الاختراع، وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب وتزايدها أكثر في الآونة الأخيرة بسبب فقدان بعضهم وظائفهم ستكون عوامل مساعدة ومحفزة ومشجعة أكثر من أي وقت مضى لمقاومة ثقافة العيب وتجاوزها والانخراط والاندماج بفرص العمل المتاحة بغض النظر عن نوعها ومستواها». ويعلل السرحان ذلك بتفاقم مشكلة البطالة وفقدان الشباب لوظائفهم والوضع الصعب عوامل، مما ستضغط عليهم اكثر لقبول الفرص المتاحة بالاضافة الى ان الانتظار والتفكير بقبول او رفض الفرص المتاحة لم يعد خيارا متاحا أمام الشباب، فالأولوية هنا أصبحت للتمسك بأي فرصة عمل لاعالة الذات والاسرة ضمن الظروف والمعطيات الراهنة والمتاحة بغض النظر عن صعوبتها أو امتيازاتها، فخيار البقاء والاستمرارية والاعتماد على الذات وتأمين الاحتياجات الأساسية للفرد والأسرة تحدٍّ تتردد أصداؤه لدى الشباب العاطل عن العمل الان اكثر من اي وقت مضى. ويرى السرحان ان ليس هناك وصفة سحرية جاهزة للعمل للتخفيف من حدة هذه المشكلة الا ان اللجوء الى جملة من السياسات والاجراءات والتدابير العملية قد تؤدي إلى التخفيف من حدتها. ويعرض السرحان أبرز التدابير، فيقول أن رفع الحد الأدنى من الاجور أمر مهم ليقبل الشباب أكثر وأكثر على فرص العمل المتاحة، كما ان التوسع في اغلاق بعد الوظائف امام العمالة الوافدة قد يساعد في اقبال الشباب الاردني على الوظائف المتاحة امامهم ولكن مع تحسين شروطها وظروفها وأجورها، خصوصا أن الشباب يعزفون عن مثل هذه الوظائف لتدني أجورها وصعوبة ظروفها، فضلا عن تفضيل بعض أصحاب العمل العمالة الوافدة عن الأردنية. ويلفت إلى أن تشجيع الشباب على فرص العمل الموجودة والمتاحة يسهم في تدريبهم وتأهيلهم وتمكينهم من الاعتماد على انفسهم.