عمان - فاتن الكوري

قالت القاصة مجدولين أبو الرب: ان «المناظر المبثوثة على وسائل الإعلام المختلفة استطاعت أن تثير الإحساس باليأس وأن تبثَّ الخوف والهلع في النفوس، وأن تستفزَّ الكتابة الإبداعيّة عند الأدباء». موضحة أن «الكتابات في ظلِّ أيّ حدث ليست هي الكتابات المقصودة، حيث ينقصها نضج التجربة وإدراك كنهها، وينقصها عامل التَّراكم الذي يصنع منها نوعًا أدبيًا قائمًا بذاته». مضيفة أنه ستكون هناك إبداعات حول هذه الجائحة الوبائية وتداعياتها، لكنها ستنضوي تحت مظلة أكبر من حيث التسمية «أدب الوباء» أو «أدب الأوبئة».

الرأي التقت أبو الرب في الحوار التالي:

-كيف تقضين يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

أودُّ أن أصنِّف أيامنا في ظلِّ هذه الجائحة الوبائيّة إلى مرحلتين، فهناك مرحلة الحجر الصحي والحظر والإغلاقات الشاملة، وهناك المرحلة الحاليّة التي تمَّ فيها فكّ القيود عن الحركة والسماح بحيِّز من الحرية المسؤولة. وسواء كنّا نتحدث عن أيّ من المرحلتين فإننا وفي الحالتين نعيش وضعًا غير طبيعيّ وغير مسبوق في حياتنا، فلم نشهد أو نعرف مثله عن قرب كجيلٍ أو أجيال.

سأتوقف عند مفردات ثلاث شكَّلَت فسيفساء أيامي في المرحلتين: أسرة، عمل، ووقت فراغ. فقد أتاح الحجر الصحي والإغلاقات فرصة ذهبيّة لتلاقي أفراد الأسرة، وتعميق تواصلهم ومعرفتهم ببعضهم بعضًا، بعد أن كان أفراد الأسرة الواحدة متباعدين وكل واحد منهم تستنزفه اهتماماته ومشاغله وعالمه الخاص، وهذا ما حصل معي. ومن جانب آخر، أتاح هذا الحجر وفرة كبيرة في وقت الفراغ أو «الوقت الحر»، فكانت فرصة لنشاطات منزلية وأسرية مشتركة، وهو ما منحنا جوًّا إيجابيًا مبهجًا بدَّد من المشاعر السلبية التي تتسلل إلى النفوس في ظل هكذا أوضاع.

أمّا عملي مديرة تحرير مجلة «أفكار»، فسرعان ما تمَّ ترتيب استمراريّته عبر الإنترنت، والاتصالات الهاتفية، فكنّا في هيئة التحرير على تواصل، ولم يتوقف عملنا، وأنجزنا ثلاثة أعداد، نُشرت أجزاء منها إلكترونيًّا قبل عودة الطباعة الورقية.

-بوصفك مثقفة، هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن؟

على مرّ التاريخ شهد العالم العديد من الكوارث التي كبَّدت البشريّة خسائر كبيرة تفاوتت في حجمها وتأثيرها، أما الكارثة الوبائية «كورونا» فقد أثارت سلسلة من التساؤلات الوجودية والأخلاقية، فالتقدُّم العلمي الذي وصلت له البشرية وحجم الثراء المتكدِّس عند بعض الأفراد والدول ولّدت قناعة بأنّ الإنسان هو المركز في الكون، وهو المتحكِّم في الطبيعة وفي مصيره بفضل عقله وتطوُّره التقني، لكنَّ هذه الأطروحة تهافتت مع الأزمة الراهنة، فالإنسان الذي استنزف الطبيعة بشراهة ليرضي استهلاكه الأناني المفرط ونهمه للثراء الفاحش، وقف عاجزًا أمام فيرس «كورونا» غير المرئي، وكشف هذا الظرف الاستثنائي عن أزمة إنسانية أخلاقية، فإمكانات العلم وقفت عاجزة أمام إيجاد لقاح مناسب يبعث الشعور بالأمان والثقة والتفاؤل عند البشر، ويخفف آلامهم، وفي الوقت نفسه جُنَّ العالم عندما كشف عن عماء بصيرة أصحاب المال والقرار الذين لم يكن «الإنسان» هو الأولوية عندهم، فتعاظم البؤس في العالم واستفحل الفقر، وتزعزعت ثقة البشرية في مستقبلها.

هذا الأمر غيّر مفاهيمي عن الدول المتقدمة والغنية وقيمة الإنسان فيها، وأنا أحمد الله أنني مواطنة أردنية، فالإجراءات الصحيّة التي اتخذتها القيادة والحكومة الأردنية كانت في غاية الحكمة وتميّزت بها عن أي دولة في العالم، وأعطت صحة الإنسان وأمنه الدرجة الأولى في سلم الأولويات، فبعض الدول المتقدمة والغنية والتي تعدُّ واجهة للتحضُّر لم تعمل بالحجر الصحي كخيار وقائي ضروري لإيقاف تفشّي الفيروس، وتساءل المواطن فيها: أين التدابير المخطط لها أمام الجوائح والأمراض؟ وأين قيمة الإنسان أمام قيمة رأس المال الذي كانت له الأولوية والقيمة الأعلى!

-هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءتك إو إعادة ترتيب تفضيلاتكِ في القراءة؟

الحجر المنزلي -كما أسلفت- أتاح وفرة في وقت الفراغ، فعدتُ إلى مكتبتي التي تكدَّست فيها كتب كنتُ أتوق لقراءتها، ومن ناحية أخرى كنتُ أتابع ما يُنشر من مقالات ونصوص على الإنترنت، لكنَّ تفضيلاتي لم تتأثر بالظروف الراهنة، فقراءاتي في العادة فيها تنوُّع وتخرج من دائرة الأدب إلى الفكر والفنون والتراث والعلم. لكنَّ ما كان مربكًا بالنسبة لي هو قراءة ما كُتب من مقالات ونصوص في مواكبة هذا الوضع المستجدّ، حيث توالَدَت عشرات التحليلات والقراءات السياسية حول تداعيات هذا الوباء على الدول من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، كان الوضع مربكًا لكثرة المنطلقات وزوايا النَّظر إلى الموضوع.

وفي تجربتنا الأردنية، فقد أعاد هذا الظرف الاستثنائي الهيبة للقراءة والكتاب، وجعلها تتصدَّر اهتمامات الناس المحجورين في منازلهم، وتجلّت مظاهر عصر الرقميّة والإنترنت في إقبال الناس على المكتبات الإلكترونية، وقد جاءت مبادرة وزارة الثقافة الأردنية بإطلاق منصة إلكترونية تتضمَّن آلاف الكتب التي أتاحتها للمواطنين، لتشكِّل فضاءً وأفقًا ثقافيًا رحبًا لهم.

-هل دفعتكِ أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

استطاعت المناظر المبثوثة على وسائل الإعلام المختلفة أن تثير الإحساس باليأس وأن تبثَّ الخوف والهلع في النفوس، وأن تستفزَّ الكتابة الإبداعيّة عند الأدباء، لكن ما حصل معي كان مختلفًا بعض الشيء، حيث دفعتني هذه الحال إلى التأمُّل والقراءة أكثر ممّا دفعتني للكتابة، ولعلّ ما ورّطني في هذه الحال هو تجربتي في تحكيم النصوص الأدبية في مسابقة «موهبتي من بيتي» التي أقامتها وزارة الثقافة الأردنية على مدى تسعة أسابيع، حيث تحتَّم علينا قراءة آلاف النصوص الأدبية، وأفادتني تلك المحاولات الإبداعية في تأمُّلها نقديًّا ونفسيًّا.

-هل تعتقدين أنه سيكون هناك أدب يسمى «أدب كورونا»؟

عرفت البشرية على مرّ العصور كوارث طبيعية وأوبئةً، وكان من الطبيعي أن يواكب الأدب الحدث؛ فيُسجِّله ويُوثقه بكل تداعياته. وفي الأدب العربي والعالمي حكايات تناولت موضوع الأوبئة كقيمة مباشرة أو غير مباشرة، وعلى سبيل المثال نقرأ في مقدمة ابن خلدون صفحات فيها وصف دقيق لانتشار مرض الطاعون في عصره، كذلك كتب طه حسين في «الأيام» عن انتشار وباء الكوليرا في مصر، وكتب حنا مينه في «بقايا صور» عن الهواء الأصفر (الكوليرا)...

وبعد تفشي وباء كورونا وانتشاره السريع، ظهرت كتابات حاولت أن تؤسِّس لنفسها ما يسمّى «أدب كورونا»؛ في محاولة لفهم هذه الظاهرة الجديدة على الرغم من أنَّ تجربة البشر مع هذه الجائحة لم تكتمل بعد، وفي رأيي أنَّ الكتابات في ظلِّ أيّ حدث ليست هي الكتابات المقصودة، حيث ينقصها نضج التجربة وإدراك كنهها، وينقصها عامل التَّراكم الذي يصنع منها نوعًا أدبيًا قائمًا بذاته؛ أرى أنه ستكون هناك إبداعات حول هذه الجائحة الوبائية وتداعياتها، لكنها ستنضوي تحت مظلة أكبر من حيث التسمية «أدب الوباء» أو «أدب الأوبئة».

-برأيك ما هو دور المثقف في هذه الأوضاع، هل بإمكانه أن يساند الإجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل؟

نحكي عن آثار الوباء السلبية على البشر، ومشاعر الحزن والوحدة والإحباط، وهنا يكون دور المثقف المبدع في ناحيتين واحدة توثيقية جمالية إبداعية، والثانية زرع الأمل في النفوس، وحماية وتحصين المجتمع من انهيار المعنويات، ويكون هذا الدور فرديًّا للمثقف، وجمعيًّا للمؤسسة الثقافية، وخير مثال على ذلك الدور الذي قامت به وزارة الثقافة الأردنية في مواكبة هذه الجائحة الكونية، وذلك عبر مبادراتها المختلفة مثل مسابقة «موهبتي من بيتي» التي كانت استثمارًا ذكيًّا في الإنسان الأردني، وقامت بالتشبيك مع مؤسسة عبدالحميد شومان، وغيرها من المبادرات المبتكرة التي تقاسمت دور المثقف ودور المؤسسة معًا في مساندة الإجراءات الحكومية وتعزيزها من أجل تعميق الوعي، وزرع الأمل والأمان في النفوس، لتكرِّس ثقة الإنسان بالمستقبل.