لا نملك المرور مر الكرام على ما جرى أمس، عندما تراجع رئيس الوزراء الاسرائيلي المتحفز لإعلان خطة الضم وتسجيل اسمه في قائمة عظماء الكيان المزعوم، فقد أثبت العالم انه قادر على الوقوف في الغطرسة والغرور والعنجهية، لكن يكون ذلك فقط عندما يتحرك زعماء عرب وازنون نحو العالم، ويشكلون قناعة راسخة بأن ما سيقوم به نتانياهو هو ضرر للشعب الاسرائيلي قبل إلحاقه بجيرانه العرب.

تحدث ساسة اسرائيل أمس عن تأجيل خطة ضم الاغوار التي تشكل 17 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وعادوا للحديث عن خطة جديدة لاستبدال الاراضي، من طرف واحد، وهذا بحد ذاته انتصار أردني - فلسطيني، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن الامة العربية قادرة على التأثير وتغيير الواقع، لكن يكون ذلك عندما تتوحد كلمتها ومواقفها، وتدرك ان مصير الشعوب العربية ومستقبلها وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها اوتجاهلها.

لكن ما الذي دفع نتانياهو لتغيير موقفه؟

موقف جلالة الملك عبدالله القوي والمقنع، خصوصا عندما تحدث الى الرأي العام الغربي خلال مقابلة مجلة دير شبيغل الالمانية، عندما قال: إنّ هذا الأمر سيؤدي إلى صدام كبير مع الأردن، وهم يعلمون ان الملك عندما يتحدث يعني ما يقول، وما قضية إنهاء تأجير اراضي الغمر والباقورة إلا خير دليل على ذلك.

نسف معاهدة السلام الاردنية الاسرائيلية من أساسها، (المواد 2، 3، 4) من المعاهدة، خصوصا عندما يتعلق الامر ببنود واضحة لا لبس فيها بخصوص ترسيم الحدود مع الضفة الغربية التي لا يمكن ترسيمها الا مع الجانب الفلسطيني، ولا يمكن نشر قوات اسرائيلية على طول الحدود مع الضفة الغربية، وبالتالي فان اي إجراء للضم سيحول اسرائيل لدولة فصل عنصري.

مبررات نتانياهو للضم أضحت غير مقنعة للحلفاء قبل الخصوم، فحدود اسرائيل الشرقية آمنة ولا مبرر او خوف من حدوث خروقات أمنية أو عسكرية، بل على العكس اصبحت الخروقات تأتي من طرفهم وفي أكثر من جانب.

السلطة الفلسطينية تأهبت لتسليم زمام الامور لإسرائيل لتحمل مسؤولية ملايين الفلسطينيين (حوالي 3 ملايين فلسطيني) بكل ما يعني ذلك رعاية شؤونهم وخدماتهم ورواتبهم وصحتهم وتعليمهم وغير ذلك من الاعباء.

استعداد الشعب الفلسطيني لتحرك شعبي واسع ومكلف للاحتلال فليس لديهم ما يخافون عليه الان، بعد تكشف حقيقة ونوايا الجانب الاسرائيلي تجاههم.

الرفض الدولي الواسع واللافت لخطة الضم وتحذيرات الساسة الاوروبيين وشخصيات وزانة في الولايات المتحدة الاميركية ورجالات كونغرس ديمقراطيين وجمهوريين، والجاليات اليهودية، ومواقف الدول العربية الداعمة للموقفين الاردني والفلسطيني.

التراجع الاسرائيلي عن الضم وسماع كلمة «كفى» من العالم لإسرائيل، فرصة لتحرك دبلوماسي عربي واسلامي واسع مؤثر نحو العالم لتثبيت حقوق الشعب الفلسطيني، ووقف الاطماع الاسرائيلية لقضم المزيد من الاراضي وممتلكات الشعب الفلسطيني المغتصبة، وإقرار الحقوق المشروعة للفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وقد يكون هذا التراجع رصاصة أخرى في نعش صفقة القرن ورؤية ترمب غير العادلة لحل القضية وإنهاء أطول احتلال لشعب أعزل على مدى سبعين عاماً.

Imad.mansour70@gmail.com