بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على دخول الاردن معركة مواجهة جائحة كورونا ونجاحه في ما وصلنا اليه اليوم من السيطرة على تفشي الإصابات وإبقاء عدد الوفيات في حدها الأدنى والحمد لله، وما رافق ذلك من آثار سلبية وخطيرة على الإقتصاد الوطني وعلى المواطنين والمقيمين سواء أكانوا مؤسسات كبيرة او صغيرة أو افرادا خلال تلك الفترة نتيجة لإجراءات الحظر والإغلاقات وللأسباب والنتائج السلبية والمعاناة التي نعرفها جميعا. بالإضافة إلى الضغوطات الهائلة على الكوادر الصحية والأمنية بمختلف تشكيلاتها وكذلك مؤسسات الدولة ذات العلاقة، وصولا الى ما نشهده اليوم من فتح الكثير من القطاعات الاقتصادية ضمن إجراءات الحكومة المعلنة والتي نتمنى ان نشهد مزيدا من استقرار الوضع الوبائي تمهيدا للتوسع في تخفيف الإجراءات وفتح قطاعات جديدة بما فيها المدارس والمعاهد والجامعات.

وقد لاحظ الجميع أن الإصابات الجديدة التي يتم الكشف عنها يوميا كانت في معظمها تأتي من خلال القادمين من خارج المملكة، وقد كان للتعامل المهني المحترف معهم على كافة المعابر الحدودية والمطار (والتي يجب إدامتها وتعزيزها) الأثر الكبير على ارتياح الكوادر الطبية والحكومة والمواطنين على حد سواء وشكل أملا وحافزا للجميع بأننا على الطريق الصحيح وأن القادم افضل بإذن الله.

إلا أن الجميع كمواطنين وعمال وموظفين ومؤسسات من كافة القطاعات الاقتصادية بات يخشى من انتكاسات خطيرة على الصعيدين الوبائي والاقتصادي قد تعيدنا إلى المربع الأول نتيجة ما يتم تداوله من إمكانية تخفيض مدة الحجر الإلزامي الرسمي للقادمين من الخارج بجميع أصنافهم في ظل تزايد كبير في أعداد الإصابات بالعالم بشكل عام والبلدان المجاورة بشكل خاص مما قد يشكل بؤرا وبائية في مناطق كثيرة على امتداد جغرافية المملكة لا قدر الله في حال تم اعتماد هذا التوجه مما سينتج عنها بالضرورة إصابات كثيرة لسلسلة المخالطين الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة الإغلاقات الجزئية وصولا إلى الحظر الشامل وما سينجم عنه من إغلاق المزيد من المؤسسات وفقدان المزيد من العمال والموظفين لوظائفهم وحرمان الدولة من مواردها المالية، إضافة الى التبعات الاقتصادية والصحية والاجتماعية الخطيرة نتيجة لذلك. والأخطر من هذا، إذا ما تم التفكير باتخاذ قرار بإبقاء فتح القطاعات المختلفة لإدامة النشاطات الإقتصادية مع تخفيف إجراءات الحجر مما سيؤدي بالضرورة الى تفجر موجة جديدة ستكون كبيرة جدا يصعب السيطرة عليها كما هو الحال الان في دول العالم والدول المجاورة.

ولو نظرنا ومن خلال ما شاهدناه وعايشناه إلى الاثار الفورية لرصد إصابة واحدة في منطقة ما من حيث إغلاق الحي وعزل بنايات وحظر شامل على هذه المنطقة وجهود فرق الاستقصاء الوبائي الصعبة في التقصي وإجراء الفحوصات لسلسلة المخالطين وانتشار الجيش والأمن. بالإضافة إلى التكاليف المالية لحصر هذه الحالة ومخالطيها من علاج بالمستشفيات وأثمان الفحوصات وتعطل الموظفين والمؤسسات في تلك المنطقة وغيرها من التبعات المباشرة وغير المباشرة، فإننا نرى حجم الإرباك والضرر والخسائر نتيجة إصابة واحدة وتبعاتها. وهو ما أشار اليه وزير الصحة بأن كلفة يوم حظر واحد أعلى بكثير من كلف الإجراءات الصحية والوقائية.

وكخلاصة لهذا الموضوع وللمحافظة على الإنجازات الصحية والاقتصادية التي تحققت والبناء عليها، فإنه لا بد من أخذ النقاط التالية بعين الإعتبار:

1- إبقاء إجراءات العائدين من الخارج كما هي من حيث الإجراءات الصحية ومدة الحجر الرسمي، مع تحسين ظروف الحجر لسائقي الشاحنات وإلزامهم بالإجراءات الوقائية وتوزيعهم على أماكن الحجر حسب تواريخ وصولهم ومنع اختلاطهم من خلال المراقبة الحثيثة.

2- تعزيز إجراءات حماية ووقاية العاملين في المراكز الحدودية والمطارات ومركز الحجر والكوادر الطبية في المستشفيات وفرق التقصي والفحص العشوائي وطواقم الطائرات التي تنقل العائدين (والذين نكن لهم جميعا كل التقدير والاحترام)، وذلك لمنع انتقال العدوى لهم وبالتالي لمخالطيهم.

3- متابعة العائدين من الخارج بعد انتقالهم إلى الحجر المنزلي بشكل دقيق مع استخدام الإسوارة الإلكترونية، بالنظر إلى احتمالية ظهور الإصابة بعد انتهاء فترة العزل الرسمي.

4- التشدد في إلزام المؤسسات والمحلات بمختلف انواعها باتباع الإجراءات الوقائية وكذلك المواطنين خصوصا في استخدام الكمامة ووضعها بالشكل الصحيح (وبشكل مستمر) طيلة تواجدهم في الاماكن العامة والتباعد الجسدي بعد ما ما شهدنا تراخي معظم المواطنين بالالتزام بهذه الإجراءات بل إلى حد تجاهلها تماما.

5- دراسة معمقة لوضع البروتوكول الصحي المناسب للتعامل مع المسافرين القادمين والمغادرين لغايات السياحة الترفيهية والعلاجية في حال تم فتح قطاع السفر عبر المطارات، من حيث تحديد قائمة للدول التي لها نفس المستوى الوبائي وتحديثها باستمرار (مع إيجاد آلية للتأكد من أن لا تكون الدولة القادم منها المسافر هي محطة ترانزيت فقط)، إجراء الفحص اللازم قبل السفر وعند الوصول والطرف الذي سيتحمل كلفة هذا الفحص، الطلب من السائحين الحصول على وثائق تأمين صحي من بلدانهم لتغطية تكاليف علاجهم إذا ظهرت إصابتهم عند او بعد وصولهم، اتخاذ إجراءات وقائية مشددة داخل الطائرات، إلزام الفندق الذي سيستقبل سائحين بتخصيص جزء من الفندق لحجر من تكتشف إصابته وتدريب الكادر الذي سيهتم بهم وحمايتهم ومتابعتهم، وغيرها من الإجراءات الضرورية الأخرى.

6- وبشكل مواز، استغلال هذه الفترة لتعزيز القدرات الصحية من حيث وضع خطط لإنشاء وتجهيز مستشفيات ميدانية يمكن استحداثها بشكل فوري عند الحاجة وتجهيز أماكن حجر إضافية، وتدريب كوادر طبية إضافية من القطاع العام بالإضافة إلى سجل للمتطوعين سواء كانوا من العاملين في القطاع الخاص أو طلاب الطب والتمريض ممن هم على مقاعد السنوات الأخيرة في جامعاتهم او معاهدهم للمساعدة بالعمل بالمستشفيات وأعمال فرق التقصي حتى نكون جاهزين لأي سيناريو. بالإضافة إلى توفير كميات احتياطية كافية من الأجهزة الطبية ووسائل الحماية حسب أعلى المعايير الصحية العالمية للكوادر الطبية وللمتعاملين مع المرضى والمصابين والمسافرين بكافة مواقعهم.