كتب: حسين دعسة صوير: نادر داود

..وانت في وسط عمان، قاع المدينة، تنتابك لحظات من حوار متخيل، يهمس، تعشق تلك الاشارات الصوتية الغريبة، لكنك تعرفها وتتأكد انك سمعتها انه صوت حرير الروح، تغازل يماماتها، حمائم اشجار الصنوبر المتناثر كإسورة من غابات رواها سيل عمان، وحدها الحرير اسمعتني صوتها:

-لا اقدر على التكلم، لا أعرف تلك الكلمات المعبرة، والعصابة تتبع انفاسي!

-همساتك، هذيانك قلب المدينة، اكاد اكش أضغاث الاحلام لأسمع العبرات.

- أرشدني الى عطارك، لي حاجة في ذاكرته، أريد ما لي.

- وهل لك ما لي عند العطار؟

جئت أدور وراء العطار وحرير في الغروب، غروب جبال عمان الغافية على حجاب قلبي، اريد الحرية لقلبي!

كانت حرير الروح تبكي غيمات الصيف التي اخفت عنها معالم الطرق والادراج والدكاكين القديمة لعمان تايكي الهة الجمال والدلال، هي حكاية–يا روحي- يصطدم بها العطار، يفهم ان حرير جنية، وأن صاحبنا متبوع، منسحب، ولهان، غائب الوعي هيمان، ..ولهذا تعيش الجنية حرير الروح في مكان ما بين القلعة وسبيل الحوريات، وهي التي يغتال صوتها صحبة الليل وسهاد الباعة ورواد المقاهي ومطاعمها القديمة بكل تقاليدها وطبيعة وجباتها.

..يغالبك العطار و يضحك ويؤشر- ان اتبع حدسي معك- بالأمر منها.

..وما بين سوق السكر و سوق الافغاني وشارع الملك طلال ومشارف جبل عمان تتأهب حرير الروح لغزو حسي فتتجسد للعطار انسانة من بريق ولوعة ويسقط مغشيا عليه!

..تجمع فوق رأسة العتالين والسماسرة وباعة الخضار واللحامين والعشابين، اصحاب اكشاك الكتب والصحف منهم من دلق فوق رأسه الماء البارد وأخرون تناوبوا على تدليك اقدامه، الى ان حملوه الى ركن قريب من الجامع الحسيني القديم، تلا على رأسه الشيخ ما تيسر من الرقية الشرعية، بينما حرير تبكي وتقرص ذراع العطار وتعطر رقبته بشذا البلسم من قارورة عرفت مكانها في الدكان.

..أفاق، ثم أغمض عينيه على بهاء وجمال يراه بأم عينه، يتمتم فوق رأسه:

- اسمع قولي، باسم الله الفتاح العليم، إن نحن معشر الجان المؤمن نتبعك، نحذرك من هول تلك الحفرة، عليك ان تردد معنا ما تسمع !

سمعتها وحار نبضي، هل هي إمراة من لحم وعظم، ام هي الجنية تأتي على قلبي فينتعش، تتناوب بين جبل وآخر تسند مرفقيها على اعمدة هيكل هرقل في القلعة وتدخل زقاق سينما عمان القديم لتشم روائح مشاوي شهرزاد والعرائس باللحم والعجين.

بقدرتها لمست ما يجول في رأسي، وكنت أحسب اني غريب مغلق محروس، لا احد في عمان يعلم قاع محلاتي ولا ما فيها من زيوت وعطور واصباغ وشاش وحرائر وتربة وشمع وعظام زواحف واسماك وحيوانات معروفة وغير معروفة وما ملكت يميني من المعادن المصهورة والمخزونة والجنزارة وسبائك الذهب والفضة وغريب الاعشاب والالبان والمسك والمرجان وعشب الارض وغيم الملكوت والثلج الحار واغصان نبات مستقرة الارض ومنابته تطاول السماء السابعة.

قالت بهدوء ريح الياسمين، تغمزني:

انا انا وانت انت فقم يا عطار الزمان!

انتبهت اني «الحن» العطار فكيف تقول ذلك وهي لا تعرفني؟

ضحكتها زلزلت تلال عمان واسمعت رواد مقاهيها، عاركته ونكشت شعرها المذهل، تلفتت الى قرينها السرمدي، استأذنت منه وقالت:

عليك ان تحدثني عن سر حجابي، البستني اياه امي، ونبتت على اصابعي بتلات الياسمين، اريد ان اعرف سر الحجاب، وكيف افكك خطوطه وطلسمه؟

يتأملها العطار وهو تائه بين ايدي الناس على تقاطع شارع الملك طلال والمسجد الحسيني وسوق منكو، مال واستطال دافعا هواء مكتوما:

- عرفتك مع ابن الكبير، وفهمت انه ممسوس بك.

- انا امامك، هل جادك غيث يمسس روحك، او حرارة من عيني تقتل هيئتك او تمسخ انفاسك؟

قال العطار ممسكا بيد حرير الروح:

- وحياة عينيك..لا!

-اذن عليك ان تحفظ، فلن اعيد، منك طلبي بين بين وليس ببعيد: ما رواه الحاكم والبيهقي والطبراني بإسناد صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجن ثلاثة أصناف، فصنف يطير في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون».

..ولأنني حرير الروح قلبي معلق بابن الكبير، فأل: الجن مخلوق يختلف عن الملاك، لكنه يتشابه مع الإنسان في صفات العقل والتمييز والحرية والقدرة على الاختيار بين الحق والباطل والخطأ والصواب والخير والشر، لكنه يختلف عن الإنسان في أصل المادة التي خلق منها. فالحق سبحانه وتعالى يقول عنهم في سورة الرحمن: «وخلق الجان من مارج من نار»، والمارج هو طرف اللهب كما قال ابن عباس وقال الإمام النووي أن المارج هو اللهب المختلط بسواد النار.

..ويا عطار الزمان، اعلم ان :للجن قدرة كبيرة على التشكل والتصور فقد يتصور في صورة الحيات والعقارب وفي صور البهائم أو الطيور أو الكلاب والقطط وابن عرس.

تحسس العطار ريقه وصلعته وقال لحرير الروح اتبعيني على هيئتك وهيلمانك وخلاخيلك.

مشى صاحبنا يترقب ما تصوره ليالي عمان بعد حظر وحجز وفيروس ينال من الدنيا، جائحة العصر، فهاله من صبر حرير وانقباض قلب العطار، وبين زقاق واخر وبالقرب من وسط المدينة تلاعب الريح بما يستر الحرير، بان الحجاب الاخضر، على زخارف من خيط بروكار وقطيفة هندي.

huss2d@yahoo.com