كتب: خالد قوقزة

كانت حاراتنا المنسية تفتقر الى وجود أطباء او عيادات صحية، وحتى مراكز صحية كما اليوم. فإذا مَرِض شخص من اهل القرية كانوا يعالجونه عند الحجّة سعدى العواد بالحارات، فأما ان تعطيه زعوط او تدهن رقبته بزيت بلدي، او تسقيه كاس ميرمية او زعتر وأحيانا تعطيه جرعة من البابونج او السيليمچة. وإذا كان بطنه يمغصه فتقول لهم بأنه مملوع. فتقوم بكيّه من خلال إحماء مسلّة (إبرة خياطة كبيرة كانت تستعمل لخياطة شوالات القمح) على البريموس حتى تصبح حمراء ومن ثم تقوم بلسع بطنه عدة مرات. فتقول: هسا بيقوم يعارِد زي الحصان، وإذا كان يعاني من البواصير فكانت تلجأ الى الكي بالعُطبة. وإذا واحد من القرية التهبت عليه طاحونته (ضِرسه او سنّه) كان يذهب الى الحاج محمد العقله ابو فرحان، فكان يقرر رأسا قلعها بالكمّاشة المخصصة لذلك. وأما من كانت يحضرها المخاض فكانت الحاجة خضرا ابو العدس دوما على أُهبة الاستعداد.

بعض الامراض التي تستعصي على الحجية سعدى او إحدى عجايز القرية، كان يتم علاجها في المدينة القريبة، حيث كان هناك عدد محدود من الأطباء وفي مقدمتهم الدكتور عوني كمال، وكان معروفا عند الختياريات بالحكيم عُونِي وكانت كشفيته لا تتجاوز النصف نيرة، وأحيانا يقبل بيض بلدي او زبدة او قلن زيت بلدي.

هذا إفليح (قريد العِش) إبن أبو فلاح، في ليلة من ليالي الشتوية يبدأ بلا حيذور او دستور بالقحّة الشديدة، وصوته يصبح مبحوحا وتظهر عليه سخونة قوية. فينادي فلاح على ابوه مفضي الذي كان يتعلل عند أبو عودة فيقول له: يابه اخوي فلاح إمقشعر وخاطرُه مش طيبة وقاعد يتلوى من الوجع.

يقوم ابو فلاح ويفزع معه ابو عودة وام عودة.

ابو فلاح: شوه بلاه هالولد وشوه اللي طب فيه أنا خابره زي العفريت؟! لا تكون الولد إنلَمَس، او إنصاب بالعين!!.

ام فلاح: لا يا حجي الولد كان قاعد بجنب الموقدة، وطِلع إتسَيّر ورجع وهوه يقول أحّيه أحّيه وبعدين صابته قحّة وسخونة.. وهاك عِسُّه.

ابو عودة: ممكن الولد إنلَفَح. هاتي خيّه أشوفه... يضع كفّه تحت أبطه، فيقول: أي بالله الولد حرارته عالية، وينظر داخل فمه فيقول: يا عمي أنتوا خرعتونا الولد ما فيه أشي هظول بنات أذانه (اللوزتين) نازلات. بس خلينا نوخذه عالحكيم بلكي غَزّه إبره وطاب.

يقول ابو فلاح: وين بدنا نروح بنصاص الليالي؟! شو رايكو نوخذه على الحجة خضرا ابو العدس (كانت رحمها الله قابلة–داية -) بلكي داوته.

ام فلاح: شو يا إمسخم هوه الولد بقاسي بده يَلِد؟! مهيه خضرا داية بتولّد النسوان، خلينا نوخذه عالحكيم عُوني، حكيم شاطر وأجرته رخيصة، وبداوي بلُب داره.

ابو فلاح: طيب هاتوا البهيم خلينا إنركبه عليه.

أبو عودة: شو انت تتهبل والا هبيلة!، شو بهيم هاظ؟!! خلينا نوخذه بتكسية جارنا أبو حيدر.

ابو فلاح: ابوي يا فلاح مثل الطلق بديّاك. روح لجارنا ابو حيدر وقول له بدنياه طلب للحكيم.

يذهب فلاح فيحضر ابو حيدر ومعه سيارته.

ابو فلاح: خيوه يا ابو عودة أُحْدُر معنا انت وام عودة.

الحكيم عوني: مالكوا يا عمي مِتصربعين، جننتوا الولد؟!! خليني أكشف عليه. بعد الكشف عليه يقول: شغلته بسيطة، اللُوَز عنده نازلات، وحرارته مرتفعة شوي، هسا بَدُقُّه إبره مُضاد حيوي، وبخليه يرجع زي الغزال.

أبو عودة يميل إعقالة (عنقّر) ويقول: ماني حچيتلك يا ابو فلاح أنت واختي ام فلاح نفس الحچي اللي حچاه الحكيم!!.

ابو فلاح مازحاً: والله انت لازم إقريت تَمَرجي، مشان تظل تداوي إهل هالحارة.

بعد ما قام الحكيم عوني بعلاجه تحسّن وضع إفليح وتغيّر لون وجهه.

أم فلاح: الله يسعِد الداية اللي بشّرت بيك يا حكيم، أنا عارف أنه إيدك بِركَة، ودواك لَطّة ب لَطّة.

أبو فلاح يمد يده بجيبة المزنوك (الدامر) ويسأل الحكيم: شو أمرِتنا يا حكيم؟.

الحكيم عوني: بكفي نُص نيرة حق الإبرة.

... رحمك الله يا دكتور عوني، فقد كنت الطبيب الموثوق به من قِبَل نسوان ورجال القرية المنسية، حتى ان بعضهم كان يتعافى مجرد ما يراك، دون اي علاج.ورحم الحج ابو حيدر صاحب السيارة الوحيدة بذاك الوقت الذي كان ليل نهار تحت تصرّف أهل الحارات.