د. سهى نعجة

إضاءة

تَسْتَنْهضُ الجدليّةُ الحتميّةُ بَيْن الإنسان واللغة هِمَم اللغوييّن العَرَب لعْودِ التّبصّر في المنهجيّةِ البنائيةِ للمعجمِ العربيّ تصوّراً وتمثّلا في ضَوْء الانفجار الدّلاليّ في المقولات الحياتيّة المختلفة، وغياب المرجعيّة اللغويّة لكثير من الدّوال المنجزة حديثاً، وقصور المعجمات اللغويّة عن الوفاء الدّلاليّ المعبّر عن الحراك الاجتماعيّ أسوةً بالمعجمات اللغويّة الغربيّة، والمفارقة بَيْن ما تستودعه هذه المعجمات بَيْن دفّتيها دالّاً ومدلولاً، وبَيْن ما هو متداول لساناً وقلماً.

وإذا كان المعجم ذاكرةَ أمّة، وكان البَحْث في دوالّه ومدلولاته بحثاً في الإنسان نفسه؛ زماناً ومكاناً، صعوداً وهبوطاً، فقد حُقّ لأبناء اليَوْم أنْ يُلحّوا في استحضار معجمٍ لغويٍّ عربيٍّ عصريٍّ يخلّدُ هُويّتهم اللغويّة ومنجزاتهم الدّلاليّة، ويكون بوّابة عبور آمنة للباحثين والدّارسين للولوج في آليّتهم في الأداء التّعبيريّ، وسبُلهم في تفجير الطّاقات الكامنة في اللغة من غير افتئات.

والمقال يُعيد للسّؤال الجوهريّ في العمل المعجميّ مكانته وهو: إلى أيِّ مدى تدعو الضّرورة العلميّة إلى بناء تصوّر علميٍّ سليم منهجيّاً في السّعي إلى بناء معجم لغويّ عربيّ معاصر؟ انطلاقاً من فرضيّةٍ تختبرُ عدم التّساوق في بناء معجمات اللغة العربيّة بينَ منهجيّة ما قبل الشّروع في بناء المعجم، والحرص على حشد أكبر عدد ممكن من المداخل المعجميّة وتلوّناتها الدّلاليّة وشواهدها المُعزِّزة لها في ظلِّ عدم خروج المعجميّين القدامى من عباءة نظريّة السّماع والاحتجاج في النّحو مع ما بين العلمين: المعجم والنّحو من المفارقة النّظريّة والعلميّة.

في المصطلح

تتقاطع الدّلالة العامّة لكلمة (معجم) في السّياق اللغويّ مع مفهومَيْن؛ يتمثّل الأوّل في الكفاية اللغويّة التي تمكّن أفراد الجماعة اللغويّة الواحدة من تعاطي اللغة ومَيْز دوالّها، وخصائصها الصّوْتيّة والتّركيبيّة مَيْزاً فطريّاً آليّاً، ويتمثّل الثّاني -وهو موْضوع بحثنا- في الكتاب الذي يستودعُ دوالّ جماعة لغويّة ما، ويُبيّنُ طرائق نطقها، ومدلولاتها، ويرتّبها ويبوّبها وفق منهجيّة خاصّة، وهو ما يُعْرف بـ «علم الصّناعة المعجميّة»، أحد فروع علم اللغة التطبيقيّ.

ومع أنّ الظّاهر يُبدي مفارقة بَيْن المفهومَيْن؛ إذ يختصّ الأوّل بالمعجم الذّهنيّ أو العقليّ الكامن والمنجز، ويَختصّ الثّاني بالمنجز فقط، فإنّ البنية العميقة لهما تُخفي مقاربة حميمة؛ إذ لا يتحققّ الثّاني إلا بتحقّق الأوّل، ولا يتحقّق الأوّل إلا أنْ يكون من الممكن المحتمل في التّوليديّة الرّياضيّة للعربيّة كما ذهب الخليل بن أحمد الفراهيديّ حين حَسَب الجذور العربيّة فوجدها تقترب من 12.5 مليون جذر؛ الممكن منها 6.5 مليون جذر، والمستحيل 6 مليون جذر، والمستعمل نصف مليون جذر.

في الدّلالتين المعجميّة والسّياقيّة

تنتُجُ الدّلالة المعجميّة اعتباطاً من اتّحاد المكوّنين: الصّوْتيّ والصّرفيّ؛ فاتّحاد الأصوات (ن/هـ/ض) مثلاً مع الوزن الصّرفيّ (فَعَلَ) هو الذي أنتج الصّيغة (نَهَض) التي اتُّخذت دالاًّ على البَرَاح من الموضع والقيام منه :

ن U هـ U ض U الوزن الصّرفيّ (فَعَلَ) = نَهَض

وهي الصّيغة التي اتّخذت دلالتها العامّة أصلاً معجميّاً يدور في تصاريفها بصرف النّظر عن المصاحبات اللغويّة التي تعطي الدّال بُعْداً دلاليّاً جديداً.

على أنّه ينتج عن أي تحوّل في المكوّن الصّوْتيّ في ضَوْء ثبات المكوّن الصّرفيّ مكوّنات داليّة ودلاليّة جديدة.

فتحوّل الصّوْت (ض) في (نَهَض) إلى الصّوْت (باء) أو (دال) أو (راء) أو (فاء) أو (قاف) أو (كاف) أو (لام) أو(ميم) ينتج الصّيغ (نهب) و(نهدَ)، و(نَهَرَ)، و(نهف)، و(نَهَقَ)، و(نَهك) و(نهك) و(نهم).

وتحوّل الصّوْت (هـ) في (نَهَض) إلى الصّوْت (باء) أو (فاء) أو (قاف) ينتج الصّيغ (نبض)، و(نفض)، و(نقض).

وتحوّلُ الصّوْتِ (ن) في (نَهَض) إلى الصّوْت (باء) أو (جيم) ينتجُ الصّيغتين (بهض)، و(جهض) وهكذا.

ويُنْتج تحوّل المكوّن الصّرْفي في ضَوْء ثبات المكوّن الصّوْتيّ دوالّ جديدة لكنّها كلّها تظلّ في رعاية الدلالة الأمّ نحو الدّلالة المشتركة بَيْن (ناهَضَ)، و(انتَهضَ)، و(استنْهَض)، و(النّاهِض)، و(النّهضة) وغيرها.

أمّا الدّلالة السّياقيّة فهي حصيلة الضّمائم الدّاليّة المتنوّعة التي تتيح للدّالّ المركزيّ انزياحا ضيّقاً أو واسعاً عن دلالته المعجميّة، وتقيّده بدلالة واحدة على الرّغم من الدّلالات الكثيرة المؤتلفة والمختلفة المحفوظة في المدخل المعجميّ لهذا الدّال.

ويمكن التّمثيل على ذلك بدلالة (نهضَ) في السّياقات التّركيبيّة الآتية:

نَهَض من مكانه: بارحه.

نَهَض الحق: علا.

نَهَض الجسم/ الزّرع: نما.

نَهَض الجيش: استعدّ للمواجهة.

نَهَض الطّائر: نشَرَ جناحيه للطّيران.

نَهَض الديّن/ الفكر: عمّ وانتشر.

وقد تنبّه اللغويّون العرب الأقدمون إلى أهمّيّة تَسْييق الدّوالّ المعجميّة؛ إذ كثرت إشاراتهم إلى الموْقف أو المقام،ن وهو ما يعبّر عنه بسياق الحال.

فابن جنّي يقرّر في غير مَوْضع في كتبه أنّ اللغويّ لا ينبغي له أنْ يكتفي بالسّماع، بل ينبغي أنْ يجمع إليه الحضور والمشاهدة، أي عليه أن يُحيط بظروف الكلام.

ويرى عبد القاهر الجرجانيّ (ت. 471هـ) أنّ «الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يُضمّ بعضها إلى بعض، فيعرف في ما بينها من فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم، والدّليل على ذلك أنّا إنْ زعمْنا أنّ الألفاظ التي هي أوْضاع اللغة إنّما وُضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها لأدّى إلى مـا يَشُكّ عاقل في استحالته».

كما يرى «أنّ الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجرّدة، ولا من حيث هي هي كلم مفردة وأنّ الألفـاظ تثبت لها الفضيلة وخلافـها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى يليها».

ويعدّ النّقاد اللغويّون العرب المحدثون تغييب الدّلالة السّياقية إحدى مشكلات المعجم العربيّ؛ فالمعجم كما يقولون يعنى برصْد الدّلالة المعجميّة فحَسْب، وهي دلالة كثيرة التّعدّد والاحتمال والتّشعّب.

وتبدو المبالغة صادحة في مثل هذا النّقد؛ إذ إن مستقري المعجم اللغويّ العربيّ العامّ كـ (العين) و(المقاييس) و(الصّحاح) و(لسان العرب) و(التّاج) يقف بجلاء على تسييق الدّوال المعجميّة والنّصّ عليها وفق المتاح آنذاك.

فالدّالّ اللغويّ المنصوص عليه مدخلاً معجميّاً لا تُساق مدلولته زُمَراً منزوعة إلا من سياقيها الزّمانيّ والمكانيّ، إذ لا يُنَصّ غالباً عليها في أيّ زمان وُلدَت؟ ولا في أيّ الأقوام تُدُووِلَتْ؟ أمّا سياقها النّفسّي أو الاجتماعيّ أو الدّينيّ فالنّصّ عليه واضحٌ بيّن.

وتسييقُ دلالة (يد) في معجم لسان العرب أنموذج على عناية اللغويّين الأقدمين بالدّلالة السّياقيّة للدّوال المعجميّة شاهد يُبطل تهمة عيّ المعجم اللغويّ العربيّ عن تسييق الدّوال.

جاء في معجم لسان العرب:

اليـد: الكّف.

يـدُ القوس: أعلاها.

يـدُ السّيْف: مقبضه.

يـد الرّحى: العود الذي يقبض عليه الطّاحن.

يـد الدّهر: مدّ زمانه.

يـد الرّيح: سلطانها.

يـدُ الطّائر: جناحه.

يـدُ الرّجل: جماعة الرّجل وأنصاره.

يـد الثّوْب: ما فضل منه إذا تعطّفت والتحفت.

يـدُ البَحْر: طريق البحر.

له عليّ يد: نعمة سابغة.

خلع يده عن الطّاعة: امتنع عنها.

بايعته يداً بيد: بايعته مصافحة.

ذو يـد: سُلْطة وقوّة.

يد الله مع الجماعة: الله في كنف الجماعة.

ضَعْ يدك: كُلْ.

سُقِط في يده: ندم.

يدي لك رهن بكذا: ضمنْت ذلك وكفلْت به.

هذه يدي لك: استسلمت إليك وانقدْت لك.

أعطيته مالاً عن ظهر يد: تفضّلاً ليس من بيع ولا قرْض ولا مكافأة.

جاء فلان بما أدت يد إلى يد: كناية عن الإخفاق والخيبة.

تربت يداه: دعاء عليه.

ثوب قصير اليد: يقصر أن يلتحف به.

قميص قصير اليد: الكُمّ.

ناهيك عن الدّلالة السّياقيّة الدّينيّة الواردة في النّصّ القرآنيّ أو النّبويّ.

وتنبئ هذه المنهجيّة البنائيّة للمعجم اللغويّ العربيّ عَنْ وَعْي اللغويّين المعجميّين العرب الأقدمين نظريّة المعنى التي تقوم على معادلة الرّبط بين الدال والمدلول؛ فتحقُّق الدّال ونُجوزه يعنيان تحقُّقَ دلالة معجميّة قابلة للتسييق.

دالّ ممكن + مدلول = مدخل لغويّ معجميّ عامّ حرّ قابل للتسييق.

دال متحقّق + سياق (نفسيّ/ ديني/ سياسيّ/....) = دال مقيّد الدّلالة Э للحقل الدّلالي المختار.

أمّا تحقّق الدّال في المعجم الذّهني وكمونه في الاستعمال فيلغي وجوده من البناء المعجميّ، إمّا بإهماله كليّا، أو بذكره والنّصّ على أنّه مهمل كما فعل الخليل في (العَيْن).

دالّ ممكن – مدلول = مدخل لغوي مُهْمل (غائب عن الحضور المعجميّ).

في الدلالة المجازيّة

الحقيقة أصل الكلام والمجاز فَرْعه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز لا يكون إلا بقرينة.

وعلى هدْي هذا التصوّر لثنائيّة الدّوال حقيقةً ومجازاً أسّس اللغويّون العَرب منهجيّتهم في بناء المعجم اللغويّ العربيّ.

وهي منهجيّة علميّة مُحْكَمة دقيقة تقفُ على أدوار التّطوّر والتّحوّل في الدّوال حقيقة ومجازاً، مَوْتاً وحياة، تعميماً وتخصيصاً من جهة، وتلمحُ إلى إمكانيّة تجدّد المواضعة المجازيّة من جهة أخرى.

ولكنّها منهجيّة نظريّةٌ اضطربَتْ لمّا دخلت حيّز التطبيق؛ إذ غابت هُويّة الدّوالّ بَيْن الحقيقة والمجاز، وتقدّمَ المعنى المجازيّ كثيراً على المعنى الحقيقيّ مع أنّ تقديم الثاني أوْلى بوصفه أصْلا.

ويمكنُ التّمثيل على ذلك بتتبع دلالة (كفَر) مثلاً في معجم (العَيْن)، إذ جاء فيه:

الكُفْر: ضدّ الإيمان.

الكُفْر: نقيض الشّكر.

والكفْر أربعة أنحاء: الجحود مع معرفة القلب، والمعاندة، والنّفاق، وإنكار القلب واللسان.

والتكفير: إيماء الذميّ برأسه.

والتّكفير: تتويج الملك بتاجه.

والرّجل يكفرُ درعه بثوب كفْرا، إذا لبِسه فَوْقه.

والكافر: الليل والبَحْر ومغيب الشمس وكلّ شيء غطّى شيئاً فقد كفره.

والكافر من الأرض: ما بعُد عن النّاس لا يكاد ينزله أحد.

والكافر في لغة العامّة: ما استوى من الأرض واتّسع.

والكافر: النهر العظيم,

والكَفَر: الثنايا من الجبال,

والكفّارة: ما يُكَفَّر به من الخطيئة واليمين فيمُحى به,

والكافور: كمّ العنب قبل أن يُنوّر، وشيء من أخلاط الطّيب.

وبيّن جدّاً أنّ الدّلالة الدينية (نقيض الكُفر)، وهي دلالة مجازيّة للدّال (كفر) تصدّرت المدلولات الأخرى له بما فيها الدّلالة الحقيقيّة (ستر وغطّى).

ولا ينصّ المعجميّون غالباً على أيّ المدلولات حقيقة وأيّها مجاز، وإنّما تُبْسَط هكذا، وتترك لحَدْس دارسيها وتخمينهم وفق ما يتأتىّ لهم من شواهد وأمثلة.

وغياب الهُويّة الدّلاليّة بَيْن الحقيقة والمجاز في المعجم اللغويّ العربيّ قد لا يكون مؤشّراً على قصور في الصّناعة المعجميّة للغويّينا الأوائل بقدر ما هو مؤشّر على واحد ممّا يأتي:

الأوّل: طفولة التّأليف في الصّناعة المعجميّة، وبدهي حينها أنْ يعتور المرحلة تعثّر وتلعثم سواء أكان في ضبط المادّة اللغويّة أم تنظيمها وترتيبها.

الثاني: أنّ الهدف من التّأليف في الصّناعة المعجميّة إنّما هو جمع المادّة اللغويّة وحفظها من الضّياع لا تحليلها وتفسيرها.

والثّالث: عدم استقرار مدلول مصطلح الحقيقة والمجاز حتّى بعدما صنّف الزمخشري معجمه «أساس البلاغة» في القرن السّادس الهجري.

والرّابع: وَعْيهم تطوّريّة الدّلاليّة المجازيّة للدّوالّ طرْديّاً والحراك المجتمعيّ في مقولاته الحياتيّة المختلفة ممّا ينبئ عن إمكانيّة تعدّد الدّلالات المجازيّة من جهة كتعدّد دلالة (يمين) في الجمل:

- اللهم اجعلني من أصحاب اليمين (أهل الجنّة).

- فلان يمينيُّ المذهب (المذهب المؤيّد للجماعة).

- يجلس محمد يمين النّافذة (اتّجاه).

- يمين الله لأجاهدن بالكلمة (قسم).

وعن انزياح الدّلالة الحقيقيّة من الاستعمال والوقوف عند حدّ الدّلالة المجازية المناسبة للمنجز الحضاريّ للمجتمع من جهة أخرى، كقوْل أبناء اليَوْم مثلاً:

- أعطيْتك (الضّوْء الأخضر) للبدء في المشروع/ الموافقة.

- يبدو أنّ فلاناً (خارج التّغطية)/ عقله غائب.

- كانت انطلاقته صاروخيّة/ مكوكيّة (سريعة).

- أحيل هاتفي إلى (التّقاعد)/ لم يعد صالحاً.

فأنّى لمعجميّ الأمس أنْ يرصد هذه الدّلالات والإشارات الضّوئيّة والهواتف النّقالة والصّواريخ ومفهوم التّقاعد وغيرها كلّها منجزات حضاريّة ومفاهيميّة جديدة!

الدّوال اللغويّة (ثنائيّة الحياة والموْت)

يترتّب على القَوْل الشّائع: «اللغة كائن حيّ» الإقرار بأنّها عَرَض متغيّر وليست جَوْهراً ثابتاً؛ فهي تولد وتعيش وتهرَم وتموت.

ويترتّب على القَوْل بأنّ اللغة عَرَض الإقرارُ بأنّ المعجم وعنصُر اللغة متقلّب، والأقَلّ بَيْن مكوّنات النّظام اللغويّ ثبوتاً واستقراراً.

فحراكه الدّائم طرْديّاً والحراك المجتمعيّ لا شكّ مؤثّر في واقع الدّوال اللغويّة ومدلولاتها؛ وذلك بأنْ تَبْلَى نتيجة انعدام الحاجة إليها بسبب تطوّر تجربة الجماعة اللغويّة في الكون فتسقط من الاستعمال، وإمّا بأن تحوّل دوال عن مدلولاتها وتسند إلى غيرها.

ويرافق الحالة الأولى ظهور أدلّة جديدة، ويرافق الحالة الثّانية ظهور مدلولات جديدة تسند إليها دوالّ محوّلة عن مدلولاتها التي تكون إمّا مستعملة لكنّها أقلّ ظهوراً في الاستعمال من المدلولات الجديدة، وإمّا مضمحلّة نتيجة بِلى المراجع التي ترتبط بها

وما طرأ على بعض الدّوال من تغيّر بمجيء الإسلام خير شاهد على أنّ التّطوّر سنّة مؤكدّة في الدّوالّ.

ويَشكو معجمنا اللغويّ العربيّ -كما يمثّله اللسان- من تزاحم الحياة والموت فيه، فنسبة لا بأس بها من دوالّه الميّتة المهجورة حتى في زمن واضعه مثبتة فيه دونما نصّ على حياتها أوْ مَوْتها ممّا ضاعفَ حجم المعجم، وأورث مستخدمه قلقاً وضجراً، ووجّه النّظر إليه على أنّه سجنٌ للدّوال، وحلبة يتسابق فيها دارسو اللغة منظّرين ومحلّلين لا مرجع يقدم ثبتاً بدوالها ومدلولاتها ومعايير استعمالها.

وقد لا ينبئ سكوت اللغويّين المعجميّين عن النّصّ على الدّوال الميّتة أو المهجورة عن قصور في الصّناعة المعجميّة بقدْر ما ينبئ عن:

أ. احتراز منهجي؛ فرُبَّ دالّ لغويّ حيّ اليّوْم ميّت غداً، ورُبَّ دالّ لغويّ ميّت اليوم حيّ غداً. والخشية كلّها أنْ يكون النّصّ على مَوْته مؤذناً بإهماله كلّيّاً فتفقد اللغة بذلك واحداً من دوالّها إلى الأبد.

إنّ الميّت اللغويّ يختلف عن الميّت البشريّ؛ فالأوّل قد تدبّ فيه الرّوح بَعْد مَوْت، أمّا الثّاني فمَوْته لا حياة بعده. وهذا ما أدركه اللغويّون.

ب. أمانة علميّة قوامها التّسليم بالإرث اللغويّ الذي جُمع وفق قوانين زمانيّة ومكانيّة صارمة.

ج. منهجيّة رياضيّة تحصر ما أمكن الدّوال النّاجزة بغضّ النّظر عن التفاعليّة المجتمعيّة معها.

دكتاتوريّة الزمان والمكان

عوّل اللغويّون على الزّمان والمكان عياراً للسّلامة اللغويّة، وجعلوا السّماع -أي الأخذ المباشر للمادّة اللغويّة من أهلها النّاطقين بها- أُسّ مرجعيّتهم في جَمْع اللغة تمهيداً لمعجمتها، وعدّوا إقامة العالم سنوات طويلة في البادية بَيْن الأعراب يستمع إليهم، ويتعاطى الفصاحة على أيديهم، ويُدَوِّن كلامهم شعراً ونثراً مَفْخرة له ومطمحاً.

وقد حدّد اللغويّون للسّلامة اللغويّة زماناً ومكاناً، أمّا الزّمان فقيد بالقَرْن الثّاني الهجريّ بالنّسبة للحضر، وبالقَرْن الرّابع الهجريّ بالنّسبة للأعراب، وأمّا المكان فقُيّد ببعده عن المؤثّرات الأجنبيّة.

وعلى هَدْيِ هذا القَيْد أُنْزلت القبائل العَربيّة منازل تباينت بَيْن الفصيح والأفصح والضّعيف والرّديء.

وصرْف اللغويّين النظر عن كلام الحضر، وردُّهم لهجات عربيّة كثيرة معلول بفساد العِصْمة اللغويّة التي توسّلها اللغويّون في احتواء كلام العَرب، أمّا كلام الحضر فكما يقول ابن جني فهو «مُضاهٍ لكلام فصحاء العَرَب في حروفهم، وتأليفهم إلا أنّهم أخلّوا بأشياء من إعراب الكلام الفصيح» و«لو عُلم أنّ أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد لغتهم، لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر».

وأمّا لغات القبائل المجاورة لغير العَرب فلأنّ عربيّتهم لانت، وألسنتَهم انحرفت واضطربت.

ولم تقف رغبة اللغويّين في جَمْع اللغة من مواردها العَذْبة الصّافية عند الارتحال إلى البادية، فقد حرص اللغويّون على تتبّع الأعراب الوافدين إلى المدن لعرض بضاعتهم اللغويّة في الأسواق الأدبيّة، فإذا عثروا بأحدهم طفقوا يكتبون ما يسمعون منه بعد أن يخضعوه لامتحانات مكثّفة يتحرَّوْن فيها موثوقيّته.

وتحَيّزَ اللغويّون للعرْق العَربيّ في جَمْع اللغةِ، فأخذوا عن الصّبيان والمجانين. يقول السيّوطيّ: يقول ابن دريد في أماليه: «وكذلك لم أرَهم توقَّوْا أشعار المجانين من العَرَب بل روَوْها، واحتجّوا بها».

وتوقّوْا عربيّة الأعجميّ أصلاً العربيّ نشأةً وقوميّةً كالفارسيّ واليونانيّ.

ولئن كان التّحيّز بل التّعسّف لثالوث الزّمان والمكان والعِرْق مزية في أوائل مرحلة جَمْع اللغة يُنبئ عن حَدْس عربيّ بضرورة التّصدي لهجمات لَغويّة شرسة من قوميّات غير عربيّة على العربيّة ولا سيّما الفارسيّة بهدف إبادتها والحدّ من مدّها وانتشارها، فهي بحتميتّها هذه التي عُدّت سنّة لغويّة يرثها الخلف عن السّلف حتى يَوْمنا هذا تُعَدّ إحدى مشكلات المعجم العربيّ بله أسّها.

فجَمعُ اللغة وفق هذه الدكتاتوريّة على حدّ تعبير إبراهيم أنيس، أغفل أو تغافل عن الجدليّة الدّائبة الدّائمة بَيْن اللغة والمجتمع، وأخضعها لجبريّة الكهنوت اللغويّ الذي تَسْتَتِرُ وراءه دعاوى تصدح بالحفاظ على القرآن الكريم، والقَوْميّة العربيّة، والتراث المجيد، فكانت نتيجته على المعجم اللغويّ العربيّ أنْ أضحى متحفاً لغويّاً تاريخيّاً لما كان لا لما هو كائن بالفعل عبر عصور العربيّة؛ تعيشُ فيه الدّوال محنّطة دونما مراعاة لتطوّرها؛ صعوداً أو هبوطاً، ودونما شهادة ميلاد أو وفاة تحدّد مَوْقف المجتمع منها، ودونما هُويّة دقيقة تفصح عن انتمائها الزّمانيّ أو الجغرافيّ العامّ والخاصّ.

لقد سيقت الدّوال في المعجم العربيّ قديماً -وما تزال- بفوضَوْيّة زمانيّة وجغرافية فغدا التّرادف والمشترك اللفظيّ والأضداد في تعايش سلميّ ضمن المدخل الداليّ المعجميّ الواحد في الظّاهر على الرغم من البيْنيّة الشّاسعة بيْنهم، وهو ما حدا اللغوييّن لاحقاً إلى أنْ يجهدوا ويجتهدوا في تأصيل الدّوال وتجنيسها وتفسيرها وتحليلها، وهو الأمر الذي لو روعي في المنهجيّة البنائيّة للمعجم العربي لوفّر الجهد الكثير على لغويّينا، ولقطع الشّكّ باليقين في احتمالاتهم وتنبّؤاتهم.

- أنّه اتّصف بالبداوة دالاً ومدلولاً؛ فمجمل مادّته اللغويّة تدور حَوْل الصّحْراء وحياة البداوة ومفرداتها من مَأْكل ومَشْرَب ومَلْبس ووسائل ارتحال وطبيعة نباتيّة وحيوانيّة، والصّفات الخَلْقيّة والخُلُقيّة المحمودة والمذمومة للعربيّ البدويّ.

وهي في الواقع صورة مجتزأة لحياة اللغويّة والاجتماعيّة للعربيّ البدويّ وليست صورة تسجيليّة تامّة للمجتمع اللغويّ العربيّ تشمل شرائحه الاجتماعيّة والجغرافية كافة. وكيف تكون كذلك وقد قصر اللغويّون جمعهم اللغة على قبائّل معيّنة وفي زمان معيّن؟!

وإذا كان الكلام صفة المتكلّم كما يُقال، فإنّ مستقري المعجم اللغويّ العربيّ دالاً ومدلولاً يكذّب هذه القوْلة، ويُقرّ بلا تردّد الضّيم والإجحاف اللذين لحقا بالمجتمع الحضريّ من جهة، وبلغة القبائل التي حُيّدت من النّقاء اللغوي لمجاورتها غير العَرَب من جهة ثانية، وبلغة المجتمع العربي بشرائحه المختلفة بعد عصر الاحتجاج اللغويّ من جهة ثالثة.

وبذا يمكن القَوْل إنّ معجمنا اللغويّ العربيّ هو معجم مَرْحلة زماناً ومكاناً وعِرْقاً لا معجم أمّة في عصورها التّاريخيّة الممتدّة وأماكنها المترامية وأجناسها وطبقاتها المتنوّعة.

وهذه الصّورة الجزئيّة للمعجم اللغويّ العربيّ المشوبة بالعوز والتّقصير ليست مسؤوليّة اللغويّين الأوائل الذين أسّسوا الهيكليّة العامّة للمعجم العربيّ بقدْر ما هي مسؤوليّة اللغويّين النّصّيّين الذين جاؤوا بعدهم، واكتفَوْا بأمانة النّقل عنهم دونما تحديث للمادّة اللغويّة، أو إشارة إلى سنّة التطوّر الكامنة في اللغة، وكأنّهم إنْ راموا إصلاحاً أو تطويـراً أو أصّلوا قديماً دنّسوا شرعيّة التّراث، وأباحوا حُرْمته، وما هذا بصحيح! وما كان أحوجَهم وأحوجنا نحنُ أيضاً في عَصْرنا هذا إلى أن نفكر في نداء عبد اللطيف الزبيدي المبدع التّونسيّ إذ قال: «فيا أيّها الرّاقدون تحت التّراث ما التّراث برمم القبور، بل ماء للحياة، وإكسير لإحياء العقول و النّفوس، فلتضيفوا إلى هذا التّراث مضامين من حاضركم، ولتنزعوا عنكم دثاركم الزّائف»!

- أنّه صرف النظر عن التّنوّعات اللغويّة اللهجيّة واكتفى بالبَحْث عن الصّيغ والكلمات الفصيحة في أعْلى مستوياتها المنشودة في الأدب الرّفيع شعراً ونثراً وفي الأسواق الأدبيّة كالمربد والبصرة وعكاظ.

وبذلك يكون قد غيّب الكثير الكثير ممّا صَحّ وفصُح فغيّب معه الكثير أيضاً من حركة النشاط اللغويّ الاجتماعيّ.