نجوى الرّوح الهمّامي

كاتبة تونسية

مواثيق الألم

لا يوجد أمر في الكون أسوأ من أن تقف لتشرح ألمك لغيرك. إنّ شرح الألم مستنزف.

أنا التي أمضيت عمرا في «وظيفة» إيصال المعرفة وعمرا في لعب دور «المعلّم» (المستنير) بالمعنى الخاصّ للكلمة، (المعلّم) الذي يُثقل كاهله بمصابيح يسير بها في اللّيل الموحش الطّويل =، ليل الْغابات المتشابكة.

يسير دون اهتمام بما يُدمي قدميه أو يغتال روحه أو يقتات من جسده في أي لحظة: الأمراض والأحزان والخسائر والحُفر وفخاخ الصّيادين القديمة.

أنا عامل المناجم الذي يسير بمصابيحه داخل مناجم الفحم وسراديبها دون أن يأبه لاتّساخه أو اختناقه، متصوّرا أنّه يدمي كفّيه من أجل مجد بلاده في الحروب التي تخوضها وهو في الواقع ليس سوى مستعبد. إنّه القاتل والمقتول في آن.

عامل المناجم (مناجم روحه) المطمئن لأي انهيار يمكن أن يطمره داخل منجمه، غير منزعج من أي قاطرة منفلتة محمّلة يمكن بلحظة أن تنقطع وتعود القهقرى أو تنزلق إلى الأمام لتطحنه..

سعيدا بغبار أسود يلوّن يديه وجبينه، مبتهجا بملامحه التي ألفها، ضاحكا من نفسه كطفل يقف أمام مرآة، منهكا ولكنّه لا يشتكي.

... كلّ ذلك واجهته بصلابة أبطال الملاحم وهشاشة الياسمين..

أقرّ بأنني أكره كرهَ العمى شرحَ ألمي.. ويُدخلني ذلك في حالة مزاجية سيئة.

الآلام تُفهَم، تُتقاسَم ولا تُشرَح. الألم صاحب كبرياء عظيم وشرحُه جرحٌ لكبرياء صاحبه...

ومثلما هناك مواثيق صمت تمنع عمّال المناجم من الحديث عمّا يكابدونه، هناك مواثيق صمت بيني وبين الألم.

قد أكتب عشرات الصفحات وأستعمل كلّ ألاعيب اللغة لخلقه ثمّ قتله.. لكنّني أكره أن أقف لأشرحه على سامعٍ سرعان ما يتبرّم منه.

مواثيق الكتابة

على الكاتب أن يتعلّم الصّمت، صمت الكتابة، عليه أن يُتقنه، مثلما عليه أن يتقن صمتا في الخارج...

... أن يهدأ وألّا يكتب شيئا، وليكن على ثقة أنّ أسرار الْكتابة تعرف طريقها إليه..

الصّمت عن الكتابة ليس فشلا وليس موتا.. الصّمت عن الكتابة تقديس لها وتركها تمدّ أوراقها في صمت..

الاسترسال ضجيج، والضّجيج مفزع..

في أحيان كثيرة تقرأ لتجد «ثرثرة».. مجرّد تحبير لأوراق وإنهاك لأزرار الكمبيوتر لا غير.. «بقبقة» لحروف تغرق.

لِمَ يكتب البعض وكأنّهم يخوضون سباقا محموما؟ لماذا كلّ هذا الكلام المكدّس كفائض بضاعة؟

أشكّ في عيش الحالة الحقيقية للكتابة، لأنها حالات مرعبة وتضع صاحبها على حافة الجنون..

لا يمكن لمن يلتصق بالكتابة التصاقا حقيقيا أن لا يفقد شيئا من عقله والكثير من روحه ويتداعى جسده..

الكتابة إذا ركضتَ وراءها ستبقى مثل جواد يراهن عليه الجميع، ولن ينال سوى جروح غائرة

قد تنتهي -عندما يهوي فجأة- برصاصة رحمة.

دع لها مطلق الحرية في طَرْق بابك من عدمه ولا «تنتظرها».