خيرة بلقصير

كاتبة جزائرية تقيم في الأردن

شايٌ أخضر..

وإبريق يُغرِّد منذ جدّي الذي «شحَّر» الكأس بيده

رفع الإبريق عالياً جدا.. «كشْكشَتْ» رَغوتُة

ضَحك طارق بن زياد

الجنود الذين ركبوا البحر دَوّختهم رائحة النَّعناع الطافِح

بأغنية لـ «ناس الغيوان"

هل عرفتم «ناس الغيوان"؟

إنهم فتية آمنوا بالخبز المحموم

بقضية تمُوت مُناصفة بين الجَوعى والمثقفين الأبرار

جدي يُفرغ الشّايَ أهازيجه خفقان الكؤوس الموشُومة

يُجرّب في الكأس الأول مذاق الشِّيح و"الشْهيبة» وطعم الفَقد

ويُذوب الجُرعة في الكؤوس الأخرى والسّكر المَنسي واللّون

الفاقع بالاصفرار تماما مثل عَينيه المشعّتين بالأشرعة

يا الله.. ألستَ القائل «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا»..

ما الشَّاي سوى غزوة في المَذاق العالي

سيرة النّفي وحضارة تُهدهِد العُشب في الأطلس

لَمّةُ المساء الشَّاهق وحديث الضَّباب على الشِّفاه

جدّي يُمزج الرَّشفة الأولى بنكتة في غاية النُّبل

ثم يحرّك «شَاشِيته» السندبادية» بخفّة الصّياد

كلّ الأسماك تعرِف جدّي

رأيتُها حينَما حضرت عُرس الغُراب الذي نعقَ طويلا فوق غُربتنا الآثمة

وصفقَّت للوطن وهو يتحوَّل إلى أرنب يركضُ كالمَخبول

جدّي لا يعرف لباساً غير بِدلة «شُونغَاي» الكُحلية وقميصا بَحرِيا مُخطّطا بنُبل البحارين ولَوعتهم بالأزرق

الحِكمة الصِّينية تقُول «أن تُحرم من الطّعام لمُدة ثلاثة أيام أفضل لك من أن تُحرَم من الشَّاي ليوم واحد».

لم نكُن ندري حينها أن حَلاوة الشَّاي برَنين عِدّتِه سيحرِمُنا من مَسْقط القَلب

وكلَّما ارتدَّ رِمشُ الغياب وسُلِخ جِلد الشَّارع..

سلكتُ شريانا مظلما..

يَقودُني إلى القَدَر المُبتلّ.