.. حين أنهيت «التوجيهي»، ذهبت كي أتقدم إلى مؤتة الجناح العسكري.. ونجحت في كل الفحوص–ولكن الصحافة أغوتني أكثر -.. وحين دخلت من أجل اختبار الشخصية' شاهدني رئيس اللجنة وكان برتبة عميد ركن.. قال لي: (ملقاك زين.. وقيافتك زينة).. ثم سألني مجموعة من الأسئلة تتعلق كلها بتاريخ الأردن وأجبتها.. كلها أيضا دون خطأ واحد.

أنا منذ صغري وأنا أحب اللجان، وأحب أن أتقدم لها.. ومع أني نجحت في وظائف كثيرة إلا الصحافة ظلت هي هدفي، كونها المهنة الوحيدة التي سمحت لي بالنوم حتى الساعة العاشرة صباحا..

حين أنهيت الجامعة، تقدمت للخارجية أيضا.. ارتديت بدلة وربطة عنق لونها (فوشي).. ووضعت (زيت شعر)، وذهبت لمقابلة اللجنة، قال لي صاحبي الذي خرج من اللقاء سيسألونك باللغة الإنجليزية, فحضر نفسك جيدا..

دخلت وجلست على كرسي أمام اللجنة، وفتحت أزرار الجاكيت، ثم وضعت قدما على الأخرى، كي أشعرهم بالثقة، وأخذت شهيقا.. وقلت: اتفضلوا.. كان السؤال باللغة الإنجليزية، وسألني اياه رئيس اللجنة، كان طويلا جدا.. وكان الرجل يتحدث بسرعة وفهمت منه كلمة (ماذا).. هذه هي الكلمة الوحيدة التي استطعت فهمها، ثم صمتت اللجنة بانتظار إجابتي.. وأنا نظرت للسقف قليلا، في محاولة لإيهامهم بأني استجمع الأفكار.. وهم خدعوا وظنوا بأني سأصدمهم بإجابتي.. وفي النهاية انفجرت من الضحك، واللجنة هي الأخرى انفجرت من الضحك.. ثم قمت عن الكرسي وغادرت.. وكانت مغادرتي هي الإجابة الشافية الوافية.

أحد أعضاء اللجنة نادى عليّ عند الباب صارخا: (وين رايح).. فأجبته: (ودي ألحق باص الكرك..) وغادرت، والغريب أن اللجنة، لم تترك الضحك.. حتى وأنا في الممر سمعت صوت قهقهاتهم.

للآن مازالت مشاهد اللجان في رأسي، مشهد لجنة القوات المسلحة.. ومشهد رئيس اللجنة وهو يثني على إجابتي بالقول: (عفارم عليك).. (أحسنت).. وأذكر أنه في إجابة سريعة لي حول تاريخ تأسيس جامعة الدول العربية قال معلقا: (عفية الذيب).. ومشهد رئيس لجنة الخارجية، وهو يضحك وأكتافه تهتز.. وبقية الأعضاء بمن فيهم (سيدة).. خجلوا من أن تخرج أصوات ضحكاتهم, ولم يستطيعوا كبتها.

المهم وصلت مجمع الجنوب, ولم أتأخر عن باص الكرك.. كنت أخر الركاب، في كل اللجان التي قابلتها.. سواء فشلت أو نجحت، لم أتأخر يوما عن باص الكرك.. كنت اشعر أني حتى لو تأخرت، فالباص سينتظرني.. ولن يغادر.

باص الكرك هو اللجنة الوحيدة التي أهلتني لأكون في الحياة كاتبا، وباص السلط.. أيضا هو اللجنة الأهم التي قابلتها في حياتي, ومنحتني وسام الحب.. وباص معان تعلمت فيه أيضا.. كيف أغازل الطريق وهي تغازلني.. وباص الطفيلة منحني الرضى.

خذلتني اللجان, ولكن الكرك لم تخذلني.. ولا خذلت أنا مواعيدي معها.

فليكن هذا المقال درسا لمن يريدون التقدم لوظائف الخارجية.

Abdelhadi18@yahoo.com