في وسط الكثير من النظريات التي أنتجت حول قرار التقسيم 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بعد حرب حزيران 1967 تناسى القراء والمفسرون أن القرار يشتمل على خريطة مرفقة تبين الأراضي التي احتلت من قبل اسرائيل في فعل عدواني أمام المجتمع الدولي على الأقل فيما يتعلق بالأردن، وهو الأمر الذي بقيت اسرائيل تضعه في اعتبارها في ورقة القرار لتحوله من قرار أممي واضح يصلح لبناء عملي عادل ومستدام، ليصبح سقفاً لأقصى طموحات الفلسطينيين التي يمكن تحقيقها بعد استيفائهم لأوراق الاعتماد الإسرائيلية التي وللمفارقة لا تمتلكها اسرائيل نفسها.

إسرائيل مشروع استعماري نفذته الصهيونية لمصلحة الاستعمار التقليدي، ولذلك يمكن تفسير الإصرار على الاستيطان في المناطق الساحلية والشمال المتاخم للبنان، بدلاً من الانصراف إلى استعادة التاريخ اليهودي الوجيز الذي كان متحققاً في مملكتي إسرائيل ويهوذا القديمتين بعاصمتين تقعان في أراضي الضفة الغربية، فشرق المتوسط كان الصفقة الكبرى التي أتت لتجريد العرب من منافذ على البحر، فاليهود سيرحلون من أوروبا المأزومة بوجودهم إلى فلسطين، وسيتكامل ذلك مع لبنان الكبير تحت الوصاية الفرنسية التي فضلت حلاً ثقافياً مستورداً من التاريخ يتعارض أساساً مع الهوية العربية والسورية، ودولة علوية أخرى جرى اجهاضها لأسباب كثيرة.

عندما استقبل ديفيد بن غوريون مشروع التقسيم الأول وجد نفسه في حرج بالغ أمام الأوساط اليهودية المتعصبة التي أقنعت المجاميع السكانية اليهودية بالتخلي عن حقوقها في المواطنة في بولندا وألمانيا وغيرها من الدول مقابل الانتقال إلى حلم الدولة القومية وتأسيس الشعب اليهودي، ولذلك كان واضحاً أن المطامع الإسرائيلية ستمتد إلى بقية فلسطين الانتدابية، وأيضاً إلى الأراضي المقدسة بالمعنى التوراتي.

في تلك الظروف الساخنة أطلق بن غوريون تطميناً على قدر بالغ من الخطورة: إن قبول قرار التقسيم لا يعني إلزامنا بالتنازل عن شرق الأردن، فلا أحد يملي على أحد آخر أن يتنازل عن رؤيته. سنقبل الدولة ضمن الحدود المرسومة اليوم ولكن حدود الطموح الصهيوني ستبقى محط اهتمام الشعب اليهودي ولا يوجد أي عامل خارجي يمكنه أن يقيدها. ويتصرف الكاتب في الترجمة لأن مقولة بن جوريون استخدمت الأردن الانتقالي Transjordan وهو المصطلح المتقادم عملياً مع إنهاء الأردن قرناً كاملاً من الزمن.

توقعت إسرائيل أن تجد مبرراً للتوسع شرق الأردن، على افتراض استغلال تفوقها العسكري في لحظة تفجر مجتمعي، ولم يحدث ذلك، وأخذت الفجوة العسكرية بين البلدين تتضاءل مع الوقت، ولكن عملياً وقانونياً تمكنت اسرائيل من احتلال أراضِ أردنية حسب القانون الدولي في حزيران 1967، وهذه الأراضي كانت تشكل قوام أي صفقة سلام ممكنة، ولكن الملك الحسين، ولأسباب كثيرة استبدل التعبير الوارد في النسخة الإنجليزية بالسلام العادل والشامل، وكانت الشامل تعني في السياق العام، سلاماً يشترك فيه جميع الأطراف العربية، ولذلك لم تهرول الأردن مع مصر في كامب ديفيد، وتمهلت إلى انعقاد السلام الفلسطيني - الإسرائيلي في اتفاقية أوسلو التي استطاعت أن تضع الفلسطينيين في موقف حرج منذ اللحظة الأولى، فالفلسطينيون خرجوا من ثورة ملهمة على مستوى الشعوب، ولكنها كانت في موضع الشبهات بالنسبة للمجتمع الدولي، وخاصة بعد العمليات الفدائية التي نفذ بعضها على أرض أوروبية.

حسناً عليكم أن تخوضوا فترة من التجربة، وأن تضمنوا أمن اسرائيل، وأن تتخذوا جميع ما يحول دون تكرار تجربة الانتفاضة الفلسطينية التي أضرت بصورة اسرائيل، ولنبدأ بغزة – أريحا أولاً، هكذا كان لسان حال المفاوض الإسرائيلي الذي أعفي من التفاوض مع وفد مشترك بين الأردنيين والفلسطينيين يدفع بورقة 242 كما كان الأمر مع السادات قبل ذلك، صفقة كاملة ولو تمت على مراحل.

تحت ضغوط مصرية وعربية أخرى قبل الفلسطينيون بهذه المعادلة، وأدى ذلك إلى صدمة في أوساط نخبوية كثيرة على المستوى الفلسطيني والعربي، ولكن يجب تجنب الوقوع في توزيع الاتهامات، فالطرف الفلسطيني وجد نفسه مدفوعاً لحل سريع بعد انقطاع الدعم العربي بعد حرب الخليج الثانية، ولم يكن الأردن الذي تلقى نفس الضغوط وكان خارجاً للتو من أزمة اقتصادية عاصفة يستطيع أن يدفع بكل أوراقه أمام مزاج عربي كان فقيراً في خبرته ومخيلته في التعامل مع الجانب الإسرائيلي.

تعاني النسخة الاستعمارية من اسرائيل لأن اليسار الأوروبي الذي كان داعماً لليهود تحت وطأة عقدة الذنب أصبح أكثر وعياً للابتزاز المستمر لعصر الهولوكوست، بينما اليمين غير مكترث حقيقة بما يجري، وشهر العسل الذي كان ترمب يشرف على تحضيراته يوشك على الأفول واسرائيل على شفا انتخابات رابعة أمام استغلاق سياسي يجب ألا نغتر به كثيراً، لأنه مخاض في المجتمع الإسرائيلي قد ينتهي بحسم كبير للتيارات المتطرفة التي ستتخلى عن النسخة الاستعمارية وتنطلق إلى نسخة دينية متطرفة ستلقي جانباً بكل الخرائط الأممية والشرعية الدولية، وستمسك بخرائط التوراة لتعتبرها مرجعيتها الوحيدة.

يتحدث البعض باستغراب عن موقف الأردن من الضم، نظراً لأنه لن يغير شيئاً على الأرض، فالفلسطينيون محاصرون أصلاً، وحتى لو تواجدوا في المناطق التي تسعى اسرائيل لضمها فإن ذلك سيكبدهم تبعات التنسيق الأمني، وهذه نظرة قاصرة تدلل على عدم الوعي بالسياق العام، فالضم ليس اجراء أمنياً أو تدبيراً عنصرياً، ولكنه تحول أساسي على المستوى الاستراتيجي يطرح مشاكل ستواجهها اسرائيل خلال عقود قادمة من الزمن، ولأنها غرس غير طبيعي في المنطقة، فإنها ستبحث دائماً عن حلول وراء حدودها، ودول الطوق العربي تمتلك الخبرة اللازمة للتعامل مع العقلية الإسرائيلية، فتاريخ المواجهة مع العقيدة الاقصائية بنسختها التوراتية لا يعود إطلاقاً إلى بداية الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، ولكنه يمضي تقريباً على طريق من الشوك يمتد على قرابة أربعة آلاف عام من الزمن، واليوم مع تغيب الإسرائيلي عن المشهد بوصفه جزءاً من مشروع استعماري أصبح مرهقاً أمام تحولات في الأقطاب العالمية قد تلقي بكل شيء إلى الشرق، فالمشروع اليوم يتحول إلى ما يسترضي اليمين المتطرف في اسرائيل، وإذا كان رجل علماني مثل بن غوريون اضطر أن يلتفت لهذه الأصوات، فإن شخصاً مسكوناً بما يرضي القواعد الانتخابية للافلات من مصير السجن الذي لقيه سلفه إيهود أولمرت مستعد لأن يستغل الضم بوصفه خطوة أولى تجاه اسرائيل الكبرى، وهي الخريطة الشرهة التي لا يضمها أي قرار أممي أو دولي.

الأردن يواجه الضم في مرحلة مبكرة، ومن الخطوط الأمامية، لأن خيار الانتظار ليس صحيحاً ولا صحياً، وتتعرض جهود الأردن إلى كثير من الاحباطات ولكن المواجهة ضرورية حتى لو كانت بالوقوف أمام مبدأ الضم بغض النظر عن قدرة اسرائيل على تطبيقه على الأرض، والدولة الفلسطينية هي ضرورة أردنية لأن هذه الدولة ستحول الدولة الفلسطينية إلى عائق أمام اسرائيل، وعقبة فعلية مهما كانت هذه الدولة على قدر كبير من العيوب ومهما كانت تتلقى الانتقادات وخاصة من المجتمع الدولي الذي يمول جزءاً كبيراً من تمويل مؤسساتها القائمة حالياً، ولذلك فالدعم الذي يتوقعه الأردن يمكن أن ينحصر في عدم الالتفاف حول جهوده تحت طائلة الوعود الإسرائيلية الكثيرة التي تبذل للمجتمع العربي والذي يمكن تفنيدها الواحد تلو الآخر من الجانب الأردني، فهو الطريق الصعب الشائك وسباق المسافات الطويلة.