أبواب - نداء صالح الشناق

تجمع مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الفئات الفكرية،والعلمية، والعمرية المختلفة على منصاتها، وهذا التعدد بين الفئات عبر تلك المنصات خلق نوعا من الاختلاف في الرأي بينهم، لذلك نجد الكثير من الانتقادات والتعليقات السلبية والإيجابية على ما هو منشور على هذه المواقع التفاعلية.

لذلك لابد من التمييز بين حرية التعبير وتقبل الرأي الآخر، وبين التنمر على الآخرين والسخرية منهم أو اهانتهم لمجرد آرائهم، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يعاني الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي من التنمر الإلكتروني من قبل الآخرين بسبب موقفهم تجاه قضية معينة أو آرائهم دون المراعاة لمشاعرهم والتعمد في إيقاع الإيذاء النفسي لهم، من خلال التلفظ بألفاظ قاسية دون رقابة أو حسيب على كلماتهم متناسين الأخلاق العامة في التعامل مع الغير.

ويعرّف الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة التنمر الإلكتروني بأنه: «أي تصرف لفظي أو جسمي نحو الآخرين، بقصد إيقاع الأذى أو الإهانة، تبعا لخلاف سابق أو ضغينة مبيتة أو حقد دفين، كما أن هذا الاستقواء أو التنمر، يأتي من باب استعراض العضلات واظهار القوة، حتى تجاه الأقربين، ولو على سبيل المزاح أو الدعابة أو ماشابه، ذلك مما ينطوي على حسن النية أو سلامة الشعور وايجابيته.

وتابع حديثه أن: «هذا الاستقواء، يعكس بالحقيقة مشاعر سلبية ونقمة خفية، من قبل الطرف المقابل الذي يمارس التنمر أو الاستقواء عليه، حتى ولم تم ذلك بصفاء نية وعلى سبيل الدعابة، لذا فإن لغة الاستقواء أو التنمر لغة مرفوضة اجتماعيا وغير مريحة نفسيا، وخاصة إذا ما جرى التركيز فيها على أحد الزملاء أو الأصدقاء أو الأقارب أو حتى الأخوة داخل الأسرة الواحدة ».

في هذا الصدد يقول رفعت عمر أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي: «لقد أصبحت ظاهرة التنمر الإلكتروني مزعجة للكثير من الأشخاص لدرجة اني أوقفت جميع حساباتي الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسبب التنمر الإلكتروني، حيث انني عندما اكتب وأعبر عن رأيي الشخصي أو الفكري أو أقوم بنشر صوري الشخصية أو مقتطفات من حياتي الخاصة أجد الكم الهائل من الكلمات المجرحة والمؤذية، لا أعرف لماذا كل هذا التهجم لمجرد قول رأيي ».

وينوه د. الغرابية أن: «في زمننا الحاضر وباللغة الإلكترونية الدارجة والمنتشرة والمحبذة للاستخدام، وخاصة بين الشباب، أصبح التنمر والاستقواء متاحاً بكثرة وبسهولة، ويزول فيه الحرج، الذي يمكن أن يبدو عند البعض إذا ما تمت المواجهة والعلاقة وجها لوجه، الا أن هذه اللغة التهجمية المؤذية ذات الأثر السلبي على العلاقات بين الناس، أصبحت مكروهة وغير مرغوب بها عند العقلاء، أو ذوي النوايا الطيبة والاتجاهات الحسنة تجاه الآخرين والمجتمع عموما».

ويتمنى د. الغرايبة أن: «لا تدرج مثل هذه العادة بين الشباب، ولا تعم بين أبناء المجتمع الأردني، وأن لا تكون وسائط التواصل الاجتماعي وسيلة سهلة ميسورة للجميع، لإيصال هذا الإيذاء اللفظي الكتابي أو الصوتي للآخرين، سواء كانوا من الذين نكرههم أو نحبهم، وسواء كان أمرا جادا أو أمرا هزليا ».

ويشير د. الغرايبة الى أن: «في لغتنا الجميلة وتواصلنا المألوف الكثير من الكلمات المعبرة عن الود والحب والتفاهم، والكثير من العبارات الدالة على حسن النية والتمنيات القلبية، التي تخلو من الكلمات النابية والألفاظ غير المستساغة والمشاعر السلبية الكامنة، التي نستسهل اظهارها والتعبير عنها عبر الوسائط الألكترونية، ولندرك أن وقعها سوف يكون سيئا أو مؤلما، لدى الأصدقاء والزملاء والرفاق والأقارب، حتى ولو كانت تصدر عن حسن نية، وعلى شكل نكتة أو دعابة، وحتى لو لم يظهر الطرف الآخر استياءه وغيظه، ولنراعي مشاعر الآخرين ونتجنب مزالق تدمير علاقاتنا معهم، لأبسط الأسباب وبأسهل الطرق ».

ويقول المستشار والموجه الأسري علاء حرز الله إن: «التنمر ظاهرة عدوانية تتم فيها ممارسة العنف والسلوك العدائي من قبل فردٍ أو مجموعة أفراد تجاه غيرهم، وتعد هذه الظاهرة أكثر انتشارا بين افراد المجتمع ».

ويتابع حديثه أن: «التنمر الإلكتروني، يحدث من خلال مواقع الإنترنت والبريد الإلكتروني والرسائل النصية، مؤكدا أن التنمر الإلكتروني، هو استغلال الإنترنت والتقنيات المتعلقة به بهدف إيذاء أشخاص آخرين بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية، نظرًا لأن هذه الوسيلة أصبحت شائعة في المجتمع خاصة بين فئة الشباب، فقد وضعت تشريعات وحملات توعوية لمكافحتها، وحلول هذه القضية وجود قوانين وعقوبات رادعة».

وحول أسباب التنمر الإلكتروني في مواقع التواصل الاجتماعي تشير الدكتورة دعاء المومني استشارية في الارشاد الاسري والنفسي إلى أن: «هناك عدة أسباب بحسب سن الشخص وهناك عوامل أخرى مؤثرة منها كحب السيطرة، والرغبة في التحكّم بالآخرين، والغيرة من الآخرين ونجاحاتهم، وحب الإثارة وتجربة الأشياء الجديدة».

وتبين د.المومني أن: «هناك تنمر إلكتروني بين المراهقين، كرغبة المراهق بإثبات نفسهِ أمام الآخرين، وبأنّه قد تخطّى مرحلة الطفولة وأصبح شخصًا ناضجًا، وذلك من خلال ترسيخ شعور السيطرة لديه عن طريق القيام ببعض الأمور الخاطئة كأن يُحاول السيطرة على مشاعر الآخرين، وإدخال الخوف والرعب في قلوبهم، ورغبة المراهق بجذب الانتباه إليه ِ، وأن يكون مصدرًا للإثارة، والتنمر الإلكتروني يُساعده في الوصول إلى غايتهِ هذهِ، وذلك لأنّ ما يقوم به على الإنترنت يصل للكثيرين، الذين يعتبرون أنّ ما قام بهِ سابقة وتحتاج لجرأة كبيرة، وممارسة السلطة و الشعور بالعجز والتعويض عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك ظاهرة القوة والتقمص وضعف الشخصية».