د.عصام أبو شندي كاتب وأكاديمي أردني

يبدو هذا العنوان «الرؤية والتشكيل في رواية (ميرا) لقاسم توفيق»، مواتيا لأن يكون عنوان دراسة من نوع «النقد الأكاديمي» كرسالة ماجستير أو مشروع تخرج؛ لكنّ كاتب هذه السطور يجد ألّا بأس في أن نتفيّأ ظلال هذه الراوية المهمة والجميلة في هذا الحيّز الضيق، هذه الرواية التي تنتمي إلى ذاك الصنف من الروايات العربية، الذي يصور «حالة الصراع الحضاري» بين الغرب والشرق، هذه الحالة التي يُنظَر إليها –للأسف- على أنها حالة لامتناهية في المنظور القريب.

ذلك أن رواية «ميرا» تحكي قصة تلك المرأة اليوغسلافية التي تزوج بها الشاب الأردني «رعد»، الذي ذهب للدراسة الجامعية هناك في فترة الثمانينات من القرن العشرين، ثم ارتبط بها بقصة غرام انتهت بزواجهما، وهي الفتاة الأوروبية المنطلقة التي كان يحلم بها ابن خالتها «بوسكو» الذي أسرف في إدمانه الخمر بسبب عدم تمكنه من الزواج منها، عندما خطف قلبها الشاب العربي الشرقي المسلم «رعد»، ويعيشان هناك ومن ثم ينجبان ابنيهما «رجاء» ثم «شادي»، وتشاء الظروف بعد ذلك أن تندلع الحرب الأهلية في يوغسلافيا عام 1992؛ الأمر الذي يضطر الأسرة للهجرة إلى الأردن، وهنا تبدأ مجريات الحكاية بأن تعيش الأسرة في «جبل الهاشمي» في عمّان، وينخرط رعد في عمله المتواضع قليل الدخل قرب البحر الميت، وترتبط ميرا بعلاقات مع جاراتها ومع صديقة اسمها «أمل» تعرّفها بـ «يحيى» في سياق دروس تعلم الموسيقى.

لكن المجتمع الشرقي يأبى إلّا أن يلاحق المرأة أيّا كانت، سواء أكانت ميرا أم غيرها بحكايات مفتراة، فمَن » يعرف أهل عمان في أعماقهم يفهم بأنهم يفترسون حالة الفرح إن لاحت، ينقضّون عليها بمخالبهم وأنيابهم حتى لا تفلت أو تغدو وهماً» (ص51).

صحيح أن ميرا تدخل في علاقة غرام مع يحيى، بسبب حالة الخواء الروحي التي باتت تعيشها من جهة، وبسبب العوز الذي سببه ضعف زوجها من جهة ثانية، تلك العلاقة التي ظلت سرية ولم يعلم بها أحد سوى أمل، إلا أن المجتمع المحيط بها ألّف الحكايات حولها فقط لكونها أجنبية شقراء، وليس هذا فحسب، بل إن بعضهم بدأ التحرش بها، كالفعل الذي قام به «أبو محمد» صاحب البقالة في حيّهم، الذي تحرش بها في أحد الصباحات عندما جاءت لتشتري منه، وما » إن تحقق من أنهما صارا بعيدين عن أنظار المارة، وأن لا صوت أقدام تقترب (...) ثم لحق بها، وبجرأة عجيبة مد يديه ولامس كتفيها» (ص 92).. وكالفعل الذي قام فيه أحد صبية الحي بتأليف حكاية أنه كان يراقبها خلسة من على سطوح أحد المنازل ليمتع ناظريه بمرأى مكامن الإثارة في جسدها.

أما قاصمة الظهر فقد تحققت، عندما لفت انتباهها في ذهابها وإيابها الرجل الأبله الأشعث الأغبر الذي يسميه أهل عمان «نابليون»، في موضع قريب من المدرج الروماني، حين أصرت على الاقتراب منه بدافع الشفقة على الأغلب، و» ظل ساكنا حتى لما صارت قريبة منه، لم تبدر عنه أي حركة، ولم يخرج صوتا يحذرها بأنها قد تجاوزت حدودها» (ص 200)، لكن هذه الحركة منها فتحت الحكايات عنها، الحكايات التي لامست نخاع الشرف في سمعتها، الأمر الذي ترافق مع لوثة حلّت بعقل ابنها شادي الذي لم يستطع التوافق مع المجتمع الجديد الذي قدم للعيش فيه من أوروبا، وفي شجار بين شادي ورفيق له على أثر لعبة لعباها، يعيّره رفيقه بأمه «المومس»، ما أدى بشادي إلى الإقدام على قتلها.

إذن، فقد شكّل قاسم توفيق باقتدار توليفة من عناصر السرد، في سبيل الوصول إلى «مغزاه» أو «مغازيه» أو «الرسائل» التي أراد إيصالها إلى المتلقين، إذ رسم «الشخصيات» بدقة لتؤدي كل منها دورها، ابتداء من شخصية الزوج «رعد» الذي تحول من كونه طالبا عشقته ميرا، إلى زوج لها، ومن ثم إلى ذاك الرجل الهرم الذي بالكاد يستطيع الإنفاق على أسرته، فضلا عن كونه الزوج الفاقد لقدرته الجنسية في مرحلة الكهولة هذه، وكذلك ابنتها «رجاء» التي سُميت على اسم عمتها العانس «رجاء الكبرى» التي عمدت إلى استلاب رجاء الصغرى من أسرتها، لتدخلها في جو من دروس الدين، وكأن رجاء الصغرى هذه ترمز إلى الجانب الروحاني الشرقي من شخصية الأسرة التي تكونت من شقين؛ شرقي روحاني، وأوروبي غربي. وكذلك شخصية الابن الشاب «شادي» الذي لم يستطع التواؤم مع أقرانه من أبناء المجتمع العمّاني الشرقي، ما أدخله في حالة من الهذيان أدت به إلى قتل أمه، وصولا إلى الشخصية الرئيسة في الرواية؛ «ميرا»، التي تُقتَل بطريقة بشعة، تعبيرا عن صعوبة التواؤم بين الثقافتين الشرقية والغربية.

أما «الحدث»، فقد سار في سياق طبيعي ابتداء من دراسة رعد في يوغوسلافيا الأوروبية، وصولا إلى تعلّقه بميرا الفتاة الأوروبية المنطلقة المحبة للحياة، التي فضّلته على ابن خالتها «بوسكو»، ليدخل الروائي الحدث في سياق جديد هو الحرب الأهلية في يوغوسلافيا مطلع تسعينات القرن العشرين، الأمر الذي يُضطر الأسرة للعودة إلى الموطن الأصلي لرعد، وهو الأردن، ليبدأ الزخم الحقيقي للحدث هنا، بعدم قدرة ميرا ومن ثم شادي اللذين تشكلت شخصيتاهما في سياق الثقافة الأوروبية، على التعايش مع الثقافة العربية الشرقية، التي لم تهيّئ لهما حتى الجو المناسب للعيش في كنفها، إذ سلقت الألسن الشرية المرأةَ بحكايات تطعن في شرفها، منها ما هو صحيح ومنها ما هو غير ذلك، حتى آل الحدث في النهاية إلى النتيجة غير المستغربة وهي مقتل ميرا.

أما اختيار الكاتب للمكان، فقد كان مواتيا جدا، ابتداء من ذاك المكان في ريف يوغوسلافيا وصولا إلى حي شعبي من أحياء عمان، وهو المكان الذي تتجلى فيه الشخصية الشرقية على حقيقتها، ماضغة الحكايات السمجة موجعة مؤلمة وقاتلة في النهاية، وكذلك عنصر «الزمن» الذي اختار فيه قاسم فترة زمنية مواتية لدفع الحدث قدما، وهي فترة الحرب الأهلية في يوغوسلافيا بُعيد اندلاع موجة الثورات الشعبية في شرق أوروبا مطلع التسعينات من القرن الماضي.

ويتمثل المغزى الرئيس للرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» (2018)، في التعبير عن صعوبة التوافق والتزاوج بين الشخصيتين الشرقية والغربية، نتيجة البون الشاسع بينهما بسبب الخلافات العقدية والحضارية، الأمر الذي قد يجده المتلقي بيّناً في قول الكاتب: «استنشقت ميرا هواء عمان الذي قبض على أنفاسها الأولى، وجعلها تحس بضيق لم تفهم مصدره (...) صارت تحاول تدجين نفسها لأنها ترضخ لمصيرها الغامض» (ص48).