استغرب عندما أسمع أحدهم، يقول: «تشهد الصحافة الورقية تراجعا عالميا في الإقبال عليها»، قد يكون هذا النوع من الأحكام المطلقة صحيحاً في جزء منه أو كله، لكن في المقابل، هناك تراجع في دخل الفرد، وهناك تراجع في الحريات الإعلامية، وهناك تراجع في مبيعات الأسواق..

إذن، التراجع سمة عامة لكثير من القطاعات، ولا ينحصر فقط في قطاع الصحافة الورقية، فماذا نفعل؟!

سنخسر كثيرا في الأردن، إذا نظرنا للصحافة الورقية بمنطق الربح والخسارة، إذ لا يوجد إعلام في الأردن يربح، ولا أدري لماذا يطلب من الصحافة الورقية أن تربح دون جميع وسائل الإعلام، مع أنها تشكل مصدرا أساسيا في استقاء المواضيع لكثير من الفضائيات غير الرابحة أيضا.

هل المطلوب إنفاق ملايين الدنانير على الإعلام المكتوب، أم وأده والتخلص منه؟

طبعا، لكل رأيه الخاص، لكن بنظرة شمولية مسؤولة، على الدولة أن تساند الإعلام، وتحافظ عليه بكل ما أوتيت من قوة، فمن سيتم وأده ليس الورق وإنما إعلاميون مهنيون يدافعون عن بلدهم ويحملون رسالته، والمطلوب التدخل الآن لإدامة الإعلام الورقي، وتطويره قبل أن يحين الأجل، وقد يقول قائل، لماذا تتدخل الدولة لانقاذ الإعلام الورقي، وهي لديها وسائل إعلام مرئية أخرى؟

والجواب: أن لكل دولة في العالم أذرعاً إعلامية متعددة تعبر عن رسالتها وسياستها، وليس من المعقول أن نطلب منها بتر عدد من هذه الأذرع، فالإنسان يملك خمسة أصابع في كل يد، وجميعها مهمة، ولا يستطيع الاستغناء عن أي واحد منها، فلكل منها، وظيفته الفرعية التي تتكامل مع غيرها.

وفي الأردن، هناك ضرورة كبرى للإعلام الورقي، ففضاء الاعلام المرئي فيه محدود، وبالكاد يستطيع أن يستوعب في يومه نشرة أخبار لا تزيد في مجملها عن بث عشرة أخبار تتكرر كلما يحين موعد النشرة الرئيسية أو الموجز، وتقارير محدودة العدد، وبرنامج يناقش ما وراء الخبر، أما الصحافة الورقية فهي تنشر يوميا عشرات الصفحات من الأخبار والتقارير المتنوعة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب مقالات تضيىء على الواقع، وكل ذلك يبث على مواقعها الإلكترونية.

الصحافة الورقية ومواقعها الإخبارية تمتاز بالموضوعية والدقة والتوازن بخلاف وسائط السوشيال ميديا، التي لا يلتزم معظمها بأخلاقيات وقوانين العمل الإعلامي، فيربو في هذا الوسط الاشاعات الهدّامة، وهو ما يرسخ زعزعة الثقة والاتهامية والتشهير، وفوضى المعلومات(...).

ما يميز الصحافة الورقية ومواقعها الإخبارية أن فيها إعلاميون مهنيون، لم تستثمر الدولة فيهم على النحو المطلوب، فتركتهم لمهمتهم الوحيدة في كتابة الخبر والتقرير والتحقيق والمقال، بينما تميزت عنا بعض دول الجوار، بتقديم الدعم المالي والمعنوي لهم للتخصص في ملفات المنطقة وقضاياها الداخلية، فأنجبت جيلا من (الصحفيين المحللين- المفكرين) يحمل رسالتها دون الاستعانة بالمتحدث الرسمي إلا في أضيق الحدود، بينما غفلنا نحن غالبا عن الاستثمار في الإعلاميين بتقسيمهم بين الإعلام الحديث والورقي.

ما يزال الوقت متاحا للاستثمار في عقليات الاعلاميين المحليين والعرب، وبناء جيش رديف يقود المعركة الإعلامية بشكل مخطط ومنظم، فهل نفعلها ونتجاوز النظرة التقليدية للإعلاميين، ليتسنى لنا الحديث عن التأثير الإعلامي؟

Ishttawi68@hotmail.com