من كتاب «التحليل النفسي للنار» لمؤلفه الفيلسوف الفرنسي «غاستون باشلار» والذي صدر في العام ١٩٣٧, نقرأ من أحد فصول الكتاب ما يلي:

امرأة في الستين من عمرها وجدت محترقة! ذات صباح بعد أن تناولت على ما يقال كمية كبيرة من المشروبات الروحية في المساء.. المفروشات في بيتها لم تتأثر كثيراً, والمدفأة كانت مطفأة تماماً, وقد استوثق من هذه الواقعة جمع غفير من شهود العيان.

وفي مذكرة له عن الحرائق الذاتية، يروي Le Gat حالات كثيرة من الاشتعال البشري من هذا النوع!!.

ويروي «جان هنري وهاوزن في» كتاب له طبع في امستردام «أنَّ وجيهاً من أيام الملكة بونا سفورزا، بعد أن تناول كمية كبيرة من ماء الحياة، تقيأ لهباً ثم احترق به!!.

كذلك يمكن القول في اليوميات الألمانية أنه «في الجهات الشمالية غالباً يتصاعد اللهب في مِعَدِ- ومفردها مَعِدة- الذين يفرطون في تناول المشروبات القوية.

ويقول المؤلف: منذ سبعة عشر عاماً تبارى ثلاثة من وجهاء «ورلاندة في تعاطي المشروبات القوية، فمات منهم اثنان محترقين!! بعد أن خنقهما اللهب المنبعث من معدتيهما.

أما جلابير وهو أحد مشاهير المؤلفين والذي عُرف بأنه متخصص بالظاهرات الكهربائية، فقد أيَّد في عام ١٧٤٩ وقائع مماثلة.. لكي يفسر توليد الجسم البشري للنار الكهربائية.

فقد كانت هناك امرأة تشكو من الروماتزم.. وكانوا يدلكونها مدة طويلة كل يوم بروح النبيذ المكوفر.. حيث وُجدت ذات صباح رماداً!! دون أن يكون ثمة ما يحمل على الاعتقاد بأن نار السماء أو النار العادية قد كان لها ضلع في هذا الحادث الغريب «!.

ولا يمكن أن تُعزى هذه الحادثة إلا إلى الأجزاء المنحلة من كبريت الأجسام التي هاجها الاحتكاك هیاجاً شديداً و اختلطت بالجزئيات الدقيقة من روح النبيذ المكوفر.

أما مورتميه وهو مؤلف آخر، فيسدي هذه النصيحة :

«أعتقد أنه من الخطر على الذين اعتادوا كثيراً تناول المشروبات الروحية، أو الدلوك الممزوج بروح النبيذ المكوفر، أنهم قد يتكهربون»!.

فهناك غلو في تقدير التركز الجوهري للكحل في الاجسام.. حتى ليمكن القول بحريق ذاتي.. من نوع لا يحتاج السكّير معه إلى عود ثقاب.. لكي يشتعل اشتعالاً.

والأب بونسليه، وهو منافس لبوفون يقول:

«ان الحرارة من حيث هي مبدأ للحياة، و حركة الحياة وتحافظ على الحياة، لكنها ما أن تبلغ درجة النار حتى تحدث أضراراً غريبة.

ألم نشاهد سكارى تشبعت أجسامهم بأرواح مضطرمة تشبعاً بالغاً نتيجة لإدمانهم المفرط في تعاطي المشروبات القوية، فكان أن استمدوا من عند أنفسهم ناراً حتى قضت عليهم الحرائق الذاتية!!.

وهكذا يغدو الحريق الناشئ عن تعاطي الكحل حالة خاصة من التركز غير الطبيعي للحرارة.

ولقد ذهب بعض المؤلفين إلى حد الكلام عن الانفجار!! فقد أشار أحد مهرة القطارين، وهو مؤلف كتاب «كیمياء الذوق والشم»، بطريقة تعبيره الخاصة إلى أخطار الكحل بقوله:

إن الكحل لا يوفر عضلاً، ولا عصباً، ولا لمفاَ, ولا دماً.. إنما يشعل حتى الإهلاك بالانفجار العنيف الفوري الذين يجرؤون على الافراط في تعاطيه حتی الثمالة.

أما في القرن التاسع عشر، حين كانت هذه الحرائق الذاتية تُعد بمثابة عقوبات رهيبة على الإدمان.. فقد كادت أن تنقطع تماماً.. وقد أضحت شيئاً فشيئاً حرائق مجازية, وأفسحت المجال لنوع من النكات الهينة التي تدور على الهيئات المشتعلة للمدمنين.

أما الروائي العالمي إمیل زولا ففي واحد من أكثر كتبه «علمية»، وهو الكتاب المعنون ب«الدكتور باسكال»، فيروي حكاية اشتعال بشري ذاتي من ثقب ثوب واسع بمقدار قطعة نقود، يُرى من خلالها فخذ عارية، فخذ حمراء، ينبعث منها لهب ضئيل أزرق.

ففي بادئ الأمر، ظنت «فلیسیه» أن قماش الكتان،أو السروال،أو القميص هو الذي يشتعل!!. لكن لم يكن هنالك مجال للشك، فقد كانت تشاهد الجسم عارياً، واللهب الضئيل الأزرق يتفلت منه خفيفاً راقصاً مثل لهب ضائع فوق سطح آنية من الكحل الملتهب!!.

ولم يكن هذا اللهب أبداً أعلى من لهب قنديل، بل كان ذا حلاوة خرساء، رجراجة جداً, حتى أن أقل اهتزاز هواء يزحزحه من مكانه!!•

وغني عن البيان أن ما ينقله زولا في ميدان الوقائع ما هو إلا هاجسه.. فقد أدركت المرأة في الرواية أن العم كان يشتعل هناك، مثل إسفنجة قد تشبعت منذ أعوام بأشد الأنواع فعالية، وأشدها قابلية للاشتعال، لقد كان الرجل يشتعل من أخمص قدمیه حتی رأسه!!.

لنلاحظ أن جسمه لم يكن قادراً على تبديد الأقداح الصغيرة التي كان قد امتصها في الأعوام السابقة.

وإننا لنتخيل بصورة أدعى إلى القبول، أن التمثل الغذائي انما هو تركز بالغ العناية، وتأثير ضنين للجوهر المدلل.

وفي الغد حين يأتي الدكتور باسكال لرؤية العم ماكار، لا يعود يجد إلا حفنة من الرماد الناعم أمام الكرسي الضارب إلى السواد!!.

وهذه هي المحرقة الداخلية الرهيبة لبعض المدمنين بشراسة على الخمور, والتي يعتبرها الكثيرون مجرد خيال!!.