أبواب - وليد سليمان

مؤخراً رحل المربي الشهير «شوكت أحمد تفاحة» عن 98 عاماً, حيث عُرِفَ كأستاذٍ لتعليم مادة الرياضيات من الطراز الأول في مدرسة السلط الثانوية التي تعلم فيها وأصبح معلماً ومديراً فيها, وهو من مؤلفي الكتب المدرسية في الرياضيات لبعض الصفوف للمدارس الأردنية في خمسينيات القرن الماضي.

مطلب العبادي: تفاحة يعود للسلط

وكان «مطلب العبادي» الكاتب والمربي والمدير السابق لمتحف الكتاب المدرسي في السلط قد ذكر في كتابه (متحف الكتاب المدرسي–ذاكرة التربية والتعليم الاردنية) الذي صدر في العام الماضي 2019 عن شوكت تفاحة المربي الفاضل الكبيرالذي آثر على نفسه إلا أن يحتضنه تراب السلط الطاهر, تلك المدينة التي علَّم وربى بها الاجيال؛ التي بنت وعمَّرت في كل أرجاء الوطن الأردني الغالي.

ومما جاء فيه: إنه الأستاذ شوكت تفاحة صاحب المؤلفات العديدة على رفوف متحف الكتاب المدرسي في مدينة السلط العريقة؛ ككتاب حساب الصف السادس الابتدائي المطبوع سنة 1959 بالاشتراك مع سليم الطاهر وسليمان نصيف، وكتاب الجبر الحديث المطبوع سنة 1959للصف الأول الثانوي بالاشتراك مع سليمان ناصيف، وكتب أخرى.

ولأن تركيزي في هذا الباب–من الكتاب- العثورعلى أبناء وأحفاد ومن جيل هؤلاء التربويين للتعرف على أواخر أيامهم؛ إن كانوا أحياء أو تحت الثرى.

وخلال البحث عن معلومات حول المربي الشهير » شوكت تفاحة» فقد توصلت الى ان الأستاذ «حسين سالم تفاحة» من أبناء عمومة المؤلف التربوي الذي يسكن في بلدة عين الباشا الأردنية، ويعيش بجوار والدته أم سالم ابنة شقيق الأستاذ شوكت تفاحة.

وعند الاتصال بالأستاذ حسين تفاحة فاجأني بأن الاستاذ شوكت مازال على قيد الحياة وأن عمره اقترب من المائة عام..غير أنه يسكن مع أحد أبنائه الذي يعمل في الخليج العربي، وقد سبق أن تفاجأنا قبل ذلك بحياة الأستاذ عبدالملك عرفات الذي زارنا في متحف الكتاب المدرسي.

ولأن الاقتراب أكثر ممن يخصون المؤلف هدفنا؛ فقد تشرفنا بمقابلة الأستاذ حسين ووالدته في منزلهم في بلدة عين الباشا، وكان برفقتي ابني عبدالرحمن الذي لديه اهتمامات تربوية وتعليمية.. فسألت أم سالم عن حياة عمها الأستاذ شوكت وعن أواخر أيامه!! فسيرة الرجل وكتبه ومؤلفاته الكثيرة تدل على أعماله وإبداعاته.. ولكن أواخر أيامه مجهولة لدينا!!.

فقالت: أكثر ما أعرف عنه سابقاً أنه كان معلماً ومديراً لمدارس عديدة منها مدرسة السلط الثانوية العريقة.. أما أعماله واهتماماته بعد تقاعده فكانت المواظبة على القراءة والمطالعة التي يعشقها.

أما حسين فقال: إن عائلة تفاحة القادمة من فلسطين قبل مئتي عام وسكنت مدينة السلط هي عائلة متعلمة وعملت الكثير في تطور التعليم في الاردن.. فهذا جدي المعلم داود تفاحة وهو شقيق شوكت الذي نال وساماً تربوياً من المرحوم الملك الحسين بن طلال قد مارس مهنة التدريس في معظم مدن وبلدات الاردن.

وأظهر لنا حسين تفاحة كراساً مُجدولاً باليد لعلامات طلاب مدرسة العبدلية في عمان.

ويقول العبادي: ولعلي أذكر منهم اسم الطالب الأول في إحدى الصفحات وهو عوني موسى الساكت، ومن زملائه عبدالحافظ العزب وحسني فريز وأديب وهبة.

وكل هؤلاء سُميت بأسمائهم مدارس وصروح تربوية، ليستغرب حسين عدم تخليد جده وأمثاله على قدم المساواة.

وعندما سألته مرة أخرى عن مكان إقامة الأستاذ شوكت تفاحة؟! أجاب بأن الرجل عند أحد أبنائه في الخليج..وماذا عن أبنائه وأسمائهم؟! فقال: أيمن وأمجد وبشارمن الذكور.. وإيمان وحنان وهبة من الإناث.. وعندما سألته إن كان بالإمكان مقابلة أحدهم قال: إن هذا يعود إليك، لكنه أردف قائلاً: إن أباهم الذي يتمتع بصحة جيدة نسبياً كان زاهداً بل رافضاً لأية مقابلة!!!.

وذكر لي قصة ذلك الدكتور في الجامعة الذي طلب منه ذلك!! وقد كتب عنه ذلك الدكتور مقالة طويلة دون أن يقابله، وعندما رجعت إلى المقالة وجدتها في جريدة الدستور بتاريخ 11 كانون الاول 2014.

مهند مبيضين: معلم احترم نفسه

وكانت المقالة التي أشار إليها العبادي هي للدكتور مهند مبيضين.. إذ جاء فيها ما يلي:

غير مرة حاولت الاتصال بالمربي والمعلم القدير والمتقاعد «شوكت تفاحة» لتحديد موعد للكتابة عن سيرته، لكنه تمنّع!! فأرسلت له أحد طلبتنا في الدراسات العليا ليقابله في موضوع تخصصه ورسالته حول البعثات العلمية، وأيضا تمنّع!! هذا المعلم والسيد قطعة من قماشة نادرة، قماشة الآباء والمعلمين الأوائل، فما كان من درب للكتابة عنه!! إلا البحث وسؤال طلبته عنه.

فسجل ولادته يعود للعام 1922 لعائلة ذات نسب شريف من الفرع الحسيني من أهل نابلس، انتقلت فيما بعد للسلط، وفي مدرستها الثانوية تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، ثم أرسل في بعثة علمية إلى الجامعة الأميركية في القاهرة.

ومن مدراء مدرسة السلط يوم كان طالباً:علي سيدو الكردي ومحمد الجنيدي وجريس هلسا، ومن أساتذة هذا الصرح العتيد الذين زاملوه أو علَّموه: حكمت الساكت وإبراهيم الشافعي واحمد اللوزي وعلي خريس. وهؤلاء المعلمون والآباء كان يكفي أن يمر اسمهم في تاريخ الوطن مرة واحدة، ليُكتب لهم البقاء.

فهؤلاء من زامنوه طلاباً أو رفاقاً في مهنة التعليم، لم يمروا على معاهد التدريب ولم ينالوا الجوائز، لكنهم كتبوا تاريخ الدولة والوطن وأعدوا أجيالاً من المتعلمين الأردنيين دونما تكلف واصطناع.

لقد علّم شوكت تفاحة الكثير من الطلاب, يُذكر منهم: هاني الخشمان مؤلف كتاب «أسماء في القلب» واسحق الفرحان ومحمد رسول الكيلاني ومحمود الكايد ومحمد العمد وعبد الله النسور وحسن بدران وفهد أبو العثم وغيرهم.

وكان الدكتورعبد اللطيف عربيات حين سألته عن أستاذه في وَصْف أسلوبه ومنهجه قد قال:

كان الأستاذ شوكت تفاحة أمد الله بعمره منضبطاً إلى حد كبير، وهو في مسافة بين الشدة والحزم ورجل رياضيات من الطراز الرفيع.. كان يشغل الحصة كاملة ويُحضِّر لها، ويحب النظام والانضباط، وقد تولى مناصب عدة.

وينتمي شوكت تفاحة لأزمنة عدة منها الزمن العثماني, حيث كانت عائلته منها نقابة الأشراف في نابلس..ثم الزمن العربي الاستقلالي.. وزمن الإمارة.. وزمن المملكة التي خرّج لها أنجب الطلبة وأكثرهم خدمة في مواقع العمل الحكومي.

فهذا الرجل هو واحد من أعلام أم المدارس في الأردن- مدرسة السلط الثانوية- التي يليق بها ان تحتفي بهكذا معلم شامخ وصلب وعتيق، لم يقبل السقوط أو أن يرهن نفسه للموقع أو المنصب.

وقد أفاد معلمنا وشيخنا الرياضي- الرياضيات- شوكت تفاحة وطنه في مواقع عدة، معلماً في مدرسة السلط ومديراً لها، وشغل الكثير من المراكز التربوية في وزارة التربية: مفتش إلى وكيل وزارة مروراً بمدير دائرة إلى مساعد في عدة مواقع تربوية، ثم عمل مساعداً لعميد الكلية العربية بعمان.

ولم يطلب شوكت تفاحة شيئاً من الحكومات بعد أن تقاعد، بل اختار مراقبة الزمن والعيش بهناء في عائلة تعب لأجلها.. ووطن مرت أوراق كثيرة من ساسته وقادته من تحت أنامله وهو يصحح لهم في الحساب، وهو يدرك متى وكيف يخطئون حساب الدرس وحسابات الوطن، ولكنهم لا يخطئون في حساباتهم حين يكونون من النخبة.

لم يمر"شوكت تفاحة» على قانون الشركات كي يزيد منه ثروة كما فعل كثيرون ممن تخلوا عن التربية للتجارة، فلم يلج بابها، بل ظل وفياً لمهنة التعليم التي كانت صحبته لها وفية ومخلصة.. إلى حد رفض الظهور أو الحديث عن الماضي أو الدخول في بهرجة الإعلام.

فهذا الرجل المربي الفاضل والزاهد رفض كل محاولاتي للالتقاء به لتدوين سيرته والكتابة عنه.

وهذا المربي لم يحمل أياً من الأوسمة والنياشين التي تهدى بمناسبة أو بدون مناسبة أحياناً، لبعض من مروا مروراً على تاريخ الإدارة أو العمل العام, أو من مكنتهم القبيلة أوالمحاصصة, فشوكت تفاحة معلم احترم نفسه، فكسبها وكسب احترام الناس.