ما تزال أصداء القرار الذي اتّخذه قاضي الأمور المُستعجَلة في مدينة صور اللبنانية, بـ«حظر» إدلاء السفيرة الأميركية في بيروت بأي تصريحات طوال عام من صدور قراره, كذلك مَنعْ وسائل الإعلام اللبنانية المسموعة والمرئية والمقروءة وتلك الإلكترونية من «استصراح» السفيرة أو نشر تصريحاتها, تحت طائلة المسؤولية ودفع غرامة تصل إلى 200 ألف دولار، تتردّد في الفضاءات اللبنانية القضائية، السياسيّة، والحزبيّة وخصوصاً الإعلامية, على نحو أخذ فيه الاصطفاف السياسي والحزبي منحى مُثيراً, إن لجهة عودة الانقسام الأفقي والعامودي ببُعديه الطائفي والمذهبي, أم لجهة بروز تيارات واضحة الخطاب في انحيازها للمعسكر المُناوِئ علانية وبحدّة غير مسبوقة لخيار مقاومة إسرائيل ورفض تغوّلها وعربدتها, التي تجلّت ضمن أمور أخرى ليس فقط في تكرار التهديد الصهيوني بحرب شاملة تعيد لبنان إلى ما قبل العصر الحجري, بل وأيضاً في استغلالها الظروف الإقليمية والدولية ومسارعتها إلى طرح عطاءات للبدء بالحفر في «بلوكّيْن» بحربين ملاصقين لبلوك لبناني يحمل الرقم «9»، ما تزال ترى فيه دولة العدو الصهيوني جزءاً من منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتستعين بواشنطن المُنحازة إلى موقفها كي تكون وسيطاً بينها وبين لبنان، الأمر الذي لم تخجل فيه الإدارة الأميركية من تهديد لبنان حال رفضه «تزامن» ترسيم الحدود البرية والبحرية مع الكيان الصهيوني..

في لبنان كما هي العادة...ثمّة فريق يرفع شعار يقول: حرية, سيادة..استقلال، ويدّعي لنفسه أنّه فريق سيادي يرفض الوصاية من أي جهة كانت, ولهذا يريد أن يرى لبنان في منأى عن الصراعات الإقليمية, في تمويه لحقيقة موقفه الانعزالي الرافض لهوية لبنان العربية، ولهذا «انتفض» هذا الفريق إعلامياً وحزبياً بل طائفياً, منتصراً للسفيرة الأميركية وتصريحاتها العِدائية ضد حزب وفريق لبناني ممثل في البرلمان وله جمهوره الداعِم، سواء كان طائفياً أم سياسياً، بل وأظنه تمرداً على قرار قاضي الأمور المستعجلة، ومن فوره استضاف السفيرة الأميركية بعد دقائق من صدور القرار القضائي, أعادت فيه سعادة سفيرة الدولة العظمى (وهذا ما يُركِّز عليه هؤلاء), ما كالته من شتائم وتهديدات لذلك الفريق اللبناني, الذي حمّلته مسؤولية والانهيار الاقتصادي في لبنان، وخصوصاً إحكام قبضته على البلاد وأخذها رهينة لخدمة مصالحه وتحالفاته.

للمرء أن يتساءل هنا وبصرف النظر عن قانونية القرار الذي اتخذه القاضي اللبناني «محمد مازح», وما إذا كان ذلك من اختصاصه أم لا؟، فضلاً عمّا إذا كانت الدولة اللبنانية بأجهزتها ومؤسساتها ستأخذ بهذا القرار أم ترى فيه وكأنه لم يكُنْ (كما صرّح أكثر من مسؤول حكومي رسمي), فإن رصد ردود الأفعال حول القرار وبخاصة لدى الفريق «السيادي» المزعوم, تكشف بغير عناء حجم الازدواجية بل والتناقض الصارخ في موقف هؤلاء, إذا ما قارناها بمواقفهم القديمة حول تصريحات صدرت عن سفراء بل وزراء لدول لا يلتقون مع سياساتها, وكيف بادروا إلى التنديد بها واعتبار ما صدر عنهم تدخلاً في شؤون لبنان الداخلية, ورفضًا لمحاولات هؤلاء السفراء إدخال لبنان في لعبة المحاور الدائرة الآن بضراوة في المنطقة.

وهنا أيضاً للمرء افتراض أنّ من أدلى بهذه التصريحات سفير سوري أو إيراني وحتى روسي أو صيني، دون إهمال أن يكون سفيراً لفنزويلا أو كوبا أو أي بلد عربي آخر تحدّث بعبارات أقل صراحة ولؤماً ما قالته السفيرة الأميركية, وبهذه اللهجة الاستعلائية التي تفوح منها رائحة الغطرسة الأقرب إلى لغة «المندوب السامي» أيام الاستعمارَيْن الفرنسي والبريطاني البغيضيْن..

هل كان الفريق السيادي الذي يمثّله سمير جعجع وآل الجميل ووليد جنبلاط وخصوصاً فريق 14 آذار بكل حمولته الزائدة عدداً والخفيفة حدود الهيافة سياسياً وجماهيرياً..سيلتزم الموقف نفسه الذي وقفه تضامناً مع سفيرة.. «ماما واشنطن»؟

قالت السفيرة الأميركية ما قالته, وهي عبّرت عن وُجهة نظر بلادها في حزب صنّفتْه «إرهابياً» وتضغط على دول عديدة بما فيها دول عربية وأخرى أوروبية لتصنّفه هي الأخرى (منظمة إرهابية). فضلاً عن تحريضها العلنِيّ للبنانيين على حزب الله, كي يمارسوا المزيد من الضغط لـ«سحب سلاحه» وتطبيق القرار 1559 باعتباره سلاحاً غير شرعي. لكن السؤال: هل اتفاقية «فييّنا» التي يتذرّعون بها. تسمح لها بإطلاق تصريحات كهذه؟ وهل الاتفاقية التي عمرها نصف قرن تمّ احترامها من قِبل سعادة السفيرة؟ حيث تنصّ (الاتفاقية) على عدم تدخّل السفراء في شؤون البلاد التي يعملون فيها على نحو محدّد وحازم.

حرية.. سيادة.. استقلال، شعار فارغ المضمون تُردِّده ببغائية وانتقائية قوى لبنانية, لا همّ لها سوى التغريد خارج السرب الوطنيّ بالضدد من المصالح الحقيقية والمشروعة لشعب مُنهَك ومُستنزَف اقترَب من حافة المجاعة, فيما هؤلاء يعيشون ببذخ في قصوّرهم ويتنعّمون بالأُعطيات والهِبات التي تَنهال عليهم من كُلّ حدبْ.

kharroub@jpf.com.jo