تتعمق القناعة يوما بعد يوم بأن الصوت المرتفع يتفوق على أهم وأعمق وأكثر الحجج عدالة، وأن فرصة صاحبه في الحصول على ما يريد أكبر بكثير من أي صاحب حق. وأنه ليس ضروريا أن تكون صاحب الحق لتكتسب التعاطف، وتشكل الرأي العام القادر على إقناع صاحب القرار.

ففي يومياتنا الكثير من الحالات التي تعزز تلك القناعة، وبخاصة في «موسم الجائحة» التي مررنا بها، فهناك محطات عديدة كانت مطالب أصحاب تلك الميزة دوما على الطاولة، وفي مقدمة الاهتمامات الحكومية. وضمن دائرة التعاطف على مستوى نجوم وسائل التواصل الاجتماعي.

من ذلك ما حظي به أصحاب المال والأعمال، الذين حازوا على النسبة الكبرى من مجموع القرارات الحكومية التي أوردتها البلاغات الصادرة وفقا لقانون الدفاع. وتم تسخير كافة المؤسسات والكثير من حقوق العاملين لخدمتهم. بما في ذلك السماح بتخفيض رواتبهم، وحرمانهم من استمرارية الاشتراك في بعض تأمينات الضمان الاجتماعي. والسماح بفصلهم ضمن حالات معينة.

ومن أطرف ما تم في هذا المجال أن الحكومة أقنعت العمال باسترداد جزء من مدخراتهم الخاصة بالتعطل كرواتب لهم، بمعنى أنهم حصلوا على رواتبهم من جيوبهم.

الجديد في هذا المجال تلك الضغوط التي تمارس من قبل متنفذين من أجل إعفاء المستأجرين من أجرة شهور الجائحة. بحجة أن مؤسساتهم لم تعمل خلال فترة انتشار الوباء. وهناك معلومات تشير إلى بحث حكومي لهذا المطلب، وإمكانية صدور قرار بذلك.

هنا يبدو الصوت المرتفع واضحا، ذلك أن مقابل كل مستأجر هناك مؤجر، وليس كل المؤجرين أصحاب ثروات كبيرة، فمنهم الكثير ممن يعتمدون في معيشتهم على عوائد المحلات أو المكاتب أو حتى البيوت المؤجرة.

وهناك عشرات الآلاف من الأشخاص الذين عادوا من دول الاغتراب بدون تأمين صحي، ولا ضمان اجتماعي، بعد عقود طويلة فرحين ب«تحويشة العمر» التي حولوها إلى شقة أو مكتب أو مخزن تجاري يعتاشون من عوائده.

وهناك الآلاف ممن استدانوا من البنوك، وما زالوا يسددون أقساط قروضهم من أجل بناء بيت يأويهم، وآخر يعتاشون من أجرته.

وفي المقابل فإن غالبية أصحاب رأس المال يعمدون إلى استئجار المحلات بدلا من امتلاكها رغم قدرتهم على ذلك. والسبب أن استثمار المبالغ في مجالات أخرى وفقا لحساباتهم أكثر فائدة ومردودا من استثمارها في بناء أو شراء العقارات. واللافت هنا، أن هؤلاء هم أصحاب الصوت العالي، والذين يصورون أنفسهم ك«ضحايا»، مع أنهم هم الأقوى في كل الحالات.

بالطبع، هذا لا يعني أن كل المؤجرين ضحايا، لكنهم في المجمل أقل قدرة على التحمل من كثير من أصحاب رؤوس الأموال.

إلا أن أية بلاغات جديدة تتعلق بهذا الملف، يفترض أن لا تعتمد أسلوب المسطرة، ولا تطبق على الجميع، وإنما تراعي كافة المعطيات الخاصة بالمالك والمستأجر معا. وإمكانات وظروف كل منهما.

والأفضل من ذلك أن تعيد الملف بكامله إلى القضاء، بما في ذلك قضايا الإخلاء التي صدرت بها أحكام سابقة وجمدت إجراءاتها التنفيذية بموجب قانون الدفاع.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com