بالله عليكم ما أهمية التاريخ إذا لم نتعلم منه الدروس؟وهل يعقل أن الكثير من المثقفين حتى أولئك الذين ليس لهم موقف مسبق من القضايا السياسية ما زالوا يحكمون عليها من خلال ‏التحليل المغرض المسطَّح الذي تقدمه أدوات الإعلام السائدة الممولة من حكومات أو شركات كبرى فيصدقون مثلاً أن سبب أزمة لبنان الاقتصادية هو ببساطة تعنّتُ طرف سياسي واحد وأن الحل السهل هو إلغاء هذا الطرف(كذا..!) ويجهلون أو يتجاهلون ‏ان السيطرة والتوسع والجشع في عقيدة اقتصاد السوق هي الدوافع لبسط نفوذ هذه الحكومات والشركات على منطقتنا بالتواطؤ مع إسرائيل مهما تكن الأساليب بلا أخلاق حد جرائم القتل والتدمير والابادة وآخرها الحصار الاقتصادي (‏الذي يُفرض الآن باسم قانون القيصر) كسلاح جرّبته أميركا كثيراً لتركيع الشعوب ولم يفلح دائما فهذه كوبا مازالت صامدة معتزة بكرامتها وحرية قرارها الوطني المستقل، والمفارقة أن يعلن الرئيس ترمب صباح اليوم انه سيتفاوض مع مادورو رئيس ڤنزويلا «المحاصَرة»!

صحيح أن الدنيا تغيرت كثيرا منذ الأمثلة التاريخية الاخرى لنفس تلك العقيدة الاقتصادية لكن ِعبرها لم تغب عن الذاكرة الجمعية فيما قامت به شركة الهند الشرقية وهي شركة بريطانية حققت في القرن التاسع عشر أرباحا هائلة من تجارة المخدرات بإقناع حكومتها بشنّ حرب على الصين عام 1840 لكي تجبرها على إدخال المخدرات إلى البلاد (لذلك سُميت حرب الأفيون) وبالطبع هزمتها بسهولة بأسلحتها الجديدة كالسفن البخارية والمدفعية الثقيلة والبنادق سريعة الطلقات ورضخت الصين لمطالب بريطانيا ووقّعت على معاهدة مذلّة رخّصت للتجار البريطانيين استيراد المخدرات والأنكى أنها سلمتهم ميناء هونغ كونغ كاملاً لاستخدامه لهذا الغرض بذريعة «التجارة الحرة»! وبنهاية القرن التاسع عشر بلغ عدد المدمنين أربعين مليون صيني أي عُشر السكان ومع ذلك ظل الذين ينتمون لنفس عقيدة السوق الحر يدافعون عن حقوق(!) بريطانيا حسب معاهدتها الجائرة إلى أن استردت الصين سيادتها الوطنية على هونغ كونغ عام 1997.

‏ومن ذا الذي ينسى ما حدث لمصر حينما أغرقتها بريطانيا بالديون لإنجاز مشروع قناة السويس وأغرت حكامها بالانفاق الباذخ على بناء القصور وبالتالي بدأت تتدخل في شؤونها وسيطرت على سياستها المالية حتى انفجرت ضدها ثورة عرابي عام 1882، وبحجة حماية استثماراتها قامت باحتلال مصر وبقيت مهيمنة عليها حتى طردها عبد الناصر بتأييدٍ عالمي بعد العدوان الثلاثي عام 1956 إلا أن البعض ظل لمدة طويلة تحت وهم الدعاية والادعاء يترحم على عظمة وأبهة مصر أثناء الاحتلال!

وبعد.. يتردد هذه الأيام تعبير التصنيف الاقتصادي أو المالي للدول من قبل البنوك وعلى راسها ‏البنك الدولي وتوأمه صندوق النقد الدولي وياخذ هذا التصنيف بموجب عقيدة السوق إياها مكانة عالية لدى الكثيرين من الموهومين او ذوي المصالح المشتركة الدفينة حتى لو علموا أنه يُستخدم لابتزاز الحكومات كي تذعن للمشاريع الاستعمارية المدمّرة للأوطان، وفي منطقتنا تحديداً ضم الأغوار تمهيداً لصفقة القرن!