أبواب - زياد عساف

ختم ب «الشمع الأحمر »،مشهد إرتبط بالمخالفات ويُثَبَّتْ على واجهة المحلات والمتاجر المخالفة للتسعيرة أو في كل ما يشكِّلْ خطراً على صحة المواطن، وعاد هذا المشهد ليتكرر في ظروف انتشار وباء الكورونا، ما أعادني وعلى طريقة (الفلاش باك) لذكريات الصبا في الحي الذي كنا نقطن به عندما طُبِّقْ هذا الحُكمْ على مخبز (ابوالسعيد) ولم يكن سعيدا وقتها بل تأكيد، ثم عاد بعد يومين وانفرجت أساريره وهو يتابع بشغف إزالة الختم بعد دفع الغرامة المترتبة عليه.

توارد الخواطر في مثل هذه الحالة يمني النفس باستعادة موقف مشابه يغمرنا بالفرحة والبهجة كتلك التي عاشها أبوالسعيد بأن يُزال الشمع الأحمر عن الأدراج المغلقة على أعمال كثير من المبدعين وكل من أشعل شمعة في عالم الكتابة والشعر واللون والصورة والأغنيات التي تربطها صحبة قديمة مع الشموع والأمثلة كثيرة بهذا الصدد.

يا مفرقين الشموع..

فالشموع في أغاني أعياد الميلاد على سبيل المثال دعوة للفرح والتفاؤل بسنة جديدة تحمل في طياتها بشرة خير في قادم الأيام (عقبالك يوم ميلادك) ظلت الأغنية صاحبة المرتبة الأولى فيما يتعلق بهذه المناسبة،وكانت أشبه بمطالبة لعبد الحليم حافظ من صاحبة العيد بنصيبه من الشموع :

«يا مفرقين الشموع قلبي نصيبه فين.. الحب عمره سنة والهجر عمره اتنين »، ومن أغنية (من كام ليلة من كام يوم) لم ينس محرم فؤاد شموع الفرح بهذه المناسبة: شمع الفرح علينا منوَّرْ.. ونسينا م الفرحة النوم، وتبقى فرحة الأطفال بعيد الميلاد لها بهجتها التي لا تكتمل بغير الشموع، ولهم غنى محمد ضياء الدين: ميلاد سعيد عمر جديد.. قيدوا الشموع.. اليوم ده هوه أجمل عيد بارك يارب معانا وزيد، عفاف راضي عادت لتؤكد الصحبة الجميلة بين الشمع والأغاني: شمعة ورا شمعة هنقيدها..غنوة ورا غنوة هنعيدها.. عيدك وده يومك ودي ليلتك.. أهلك وحبايبك مع عيلتك.

شمعدان الفرح..

ومن أغاني الأعراس الشهيرة (دقوا المزاهر) لفريد الأطرش تنثر الشموع أفراحها على الأهل والأقارب: قيدوا الشموع واتهنوا الليلة..عقبالهم كل حبايب العيلة، شريفة فاضل تغني للعريس المعجباني وعروسته :الشمع قايد والزهور حواليكو.. من عين حاسدكو قلبي سمّى عليكوا، يحتوي متحف الشمع في لبنان تماثيل لمجموعة من المفكرين والفنانين اللبنانيين واستحق وديع الصافي أن يكون واحداً من هؤلاء،وبدوره يخاطب في إحدى أغنياته الشمعة موصياً إياها بالعروس: يا شمعة الفرحة نور الهنا قوِّي.. هالَّابسة الطرحة قدامها ضوِّي.

الشمعدان المصمم لحمل الشموع الكثيرة يظهر في مشاهد الأعراس عادة وتحديدا في الأغاني السينمائية ومنها أغنية » يا شمعدان الفرح للصبحية » غناء شادية وشكوكو من فيلم (ظلموني الناس) إنتاج 1950.

شمعة خضراء..

في زيارة لأم كلثوم للمملكة المغربية عام 1968، لم يكتف العديد من أهل المغرب بإطلاق اسمها على المواليد الإناث بفترة وجودها في المملكة، بل قدم لها أهل مدينة فاس شمعة خضراء طويلة مرصعة بالذهب الخالص من ضريح المولى إدريس،وتقديرا وامتنانا لهذه اللفتة وقتها انحنت سيدة الغناء العربي وقبَّلت الشمعة ، وفسر البعض هذا الموقف بتمتع كوكب الشرق بالحس الصوفي الذي لا يخف على عشاق أغانيها،وخاصة بتوظيفها للشموع في أغنيتها ألف ليلة وليلة وهي تناجي الله سبحانه وتعالى :

» يارب تفضل حلاوة سلام أول لقا في إيدينا

وفرح أول ميعاد منقاد شموع حوالينا

ويفوت علينا الزمن يفرش أمانه علينا..يارب ».

افرحوا يا حبايب..

لفرحة النجاح شموعها المُضاءة لكل من جد واجتهد، وعبد اللطيف التلباني (ولَّعْ) لهم الشموع بهذه المناسبة بأغنيته (إفرحوا يا حبايب): حنولع مية شمعة وشمعة.. ونغني في عيد مستقبلنا، ولمن لم يحالفة النجاح تقدم له ليلى نظمي الحكمة والعبرة من الشمعة ذاتها ومن أغنيتها (م الثانوية للكلية):

» ياللي نسيت الفرحة وفي على خدك دمعة

يالله تجدعن كده والحقنا قوام ع الجامعة

دايماً ذاكر خليك فاكر

غيرك عدى وكان بيذاكر على نورشمعة ».

النذور..

تباينت الأراء حول أصل فكرة إيقاد الشموع في مقامات الأولياء، البعض يرجعها بسبب عدم وجود الكهرباء قبل مئات السنين إذ كانت الجموع القادمة للزيارة تشعل الشموع لإضاءة المكان،وتتركها في مكانها بعد المغادرة ليبقى الضريح أو المقام مضيئاً أما التفسير الاّخر يرجعها كنوع من نيل البركات بأن يحل النور مكان العتمة مايعني انفراج الهم وتحقيق المراد.

اعتاد الناس ومنذ الحضارات القديمة بإيقاد الشموع في المزارات والمعابد كنوع من أنواع النذور أيضاً، وقدمت الأغنية العربية العديد من الصور الغنائية حول هذه الطقوس المتوارثة منذ مئات السنين، (ساكن في حي السيدة) الأغنية الأقرب للتعبير عن هذه الظاهرة، عندما قرر المطرب محمد عبد المطلب أن يوفي النذرعندما يتحقق المراد ويلتم شمله مع المحبوب بأن يقيد شمعة في مسجد السيدة زينب وأخرى في مسجد الحسين بالقاهرة ويتعهد بذلك غناءً:

«ندرن عليا لو يميل.. ويحب يسعد مهجتي

وحياتي لا ارد الجميل.. للي هداه لمحبتي

واقيد بنفسي شمعتين..للسيدة وسيدنا الحسين ».

في أوبريت (الليلة الكبيرة) يُذَكِّرْ سيد مكاوي (أم المطَّهِر) بإيفاء النذر بإيقاد الشموع في مسجد السيدة: «يا ام المطِّهِرْ رشِّي الملح سبع مرات.. لمقامه الطاهر خُشِّي وقيدي سبع شمعات »، ومن أغنية (ذهب الليل) لمحمد فوزي يخص النذر للأطفال هذه المرة: ندر عليا لاجيلكوا وولَّعْ شمعة من شمعة.. لحد الشبر ونص ما يكبر ويروح الجامعة، جارة القمر فيروز والتي أطفأت الشمعة 85 من عمرها هذا العام تبوح بنجواها: بدي إندُّرْ شمعة وتخليني حِبَّكْ، وعلى نفس (المنوال) يتعهد محمد جمال بإيفاء النذر مُشْهِداً أم حمادة على ذلك : «قولي لحبيبي قولي.. اّه يا إم جمادة..هالعلقة مش معقولة.. نادر شمعة طولي.. لما بيرجع محبوبي ».

السبوع..

«السبوع » من العادات المصرية المتوارثة من زمن الفراعنة، ويحتفل بالطفل المولود باليوم السابع ويوضع بغربال على الأرض أو على الطاولة ويلتف حوله الأطفال والأقارب بشكل دائري حاملين الشموع مرددين: يارب ياربنا.. يكبر ويبقى قدنا والحركة الدائرية هنا أشبه بالحماية والسياج للطفل، الأغنية السينمائية عبرت عن هذه الصورة بمجموعة من الأعمال مع حضور الأطفال بالشموع كما سبق، ومنها فيلم (غلطة حبيبي) 1958 وضمن أغنية (السبوع) غنت شادية للمولود (برجالاتك)، وتكرر هذا المشهد بفيلم (الحفيد) 1975 وبمشاركة عبد المنعم مدبولي في الغناء (حلقاته.. برجالاته)، وفيلم (عيال حبية) 2005 وبأغنية (حلقاتك.. برجالاتك) للمطرب حمادة هلال.

داري على شمعتك..

«داري على شمعتك تقيد » مثل شعبي معروف في أكثر من بلد عربي كناية عن التكتم على شؤون الإنسان تجنباً للحسد والمكائد، هذه النصيحة قدمها محمد عبد المطلب في أغنية سينمائية عبر سيناريو فيلم (اديني عقلك) انتاج 1952: داري على شمعتك أما الهوى غدار.. واصبر على قسمتك وابعد عن الأفكار.. ده لو داريت على الشمع يقيد.. ويوم في يوم الفرح يزيد, ودرءاً للإصابة بالعين غنت وردة الجزائرية :منخاف م العين..منداري كتير على شمعتنا.. من كتر ما ضاعت فرحتنا ..ولعين حاسد شافتنا..ما سماش وصابتنا العين.ومن أغنية (عشريين) لليلى نظمي: حلوين والله وكرما في بيتنا ..لأ ونداري على شمعتنا..زي طبيعة المصريين..عشريين.

رومانسية..

«كفاية نورك عليا » واحدة من الأغاني الرومانسية لعبد الحليم بفيلم (ليالي الحب) 1955، وقد غناها بالفيلم لأمال فريد في حفلة تنكرية وعلى ضو الشموع بعد إنطفاء الأضواء، وبالعودة لأرشيف الأغاني الرومانسية نلمس أن الشموع كانت حاضرة أيضا بالعديد من الألحان بالصورة والكلمة،ومنها وبصوت عفاف راضي: راح نحكي حكايات..على ضي الشمعات..وهانسقي الوردات.. بكره يا حبيبي احلى م اللي، فيروز: بليل وشتي..اتنين عاشقين قاعدين دايبين..عم يحكوا سوا على ضو شموع، نجاة الصغيرة :انا بستناك.. وليلي شمعة سهرانة لليلة حب، فايزة احمد: النسمة ويا القمر من بدري متواعدين..والنجمة ويا السهر قبل الميعاد جايين.. قيدوا الشموع قيدوا..قلبي الليلة دي عيده..فاكر ميعاد قلبك وناسي مواعيده، شادية: ومولعلك شمعة نورها مستنيك.. وفي عيوني دمعة تمسحها بأيديك.

«شمعة البيت» وصف يطلق على الإنسان الأقرب للقلب الذي ينير المنزل بهجة، ويشدنا الحنين إليه عند افتقاده، فايزة احمد تناجي (تمر حنة) بعد اختفائها المفاجئ :كنتي شمعتنا..كنتي نور بيتنا..كنتي سامرنا..و انفض سامرنا ، وللجار حمودة غنى المطرب التونسي أحمد حمزة: حمودة يا جاري والغالي مشعل ناري.. تمنيته في داري..مثل الشمعة يضوِّي عليا.

نكران الذات..

يُشَبَّه نكران الذات عادة بالشمعة التي تحترق لتضيء على من حولها، وهذه الصورة جسدتها الأغاني، وأغنية (عاشق الروح) لمحمد عبد الوهاب مثالاً حياً على ذلك وهو يشدو: أنوَّر شمعتي لغيري ونارها كاوية أحضاني ..وابيع روحي فدا روحي.. وانا راضي بحرماني ، وبصورة مقاربة ومن أغنية (عوَّام) لمحمد فوزي: تدفع دموعك ثمن وتهون عليك الدموع ..قلبك يدوب في الشجن وياما دابت شموع.

ولدينا تشبيه اّخر ورد في الأغاني جاء إنطفاء الشموع تعبيراً عن نهاية علاقة عاطفية، وعبّرْ كل مطرب عن ذلك بطريقته وهذا ما يلفت الإنتباه في أغاني عبد الحليم وبعد مروره بأكثر من أزمة منها اشتداد المرض عليه في أواخر الستينيات وتأثره بوفاة الفتاة التي أحبها، أو تعبيراً عن نهاية علاقته بالفنانة سعاد حسني، ووردت صورة إنطفاء الشموع بصوت حليم بأكثر من أغنية ومنها (بلاش العتاب): طفيت كل الشموع.. وقلبي ارتاح ونام.. ارتاح من الدموع.. والحب والاّلام، ومن أغنية زي الهوا :رميت الورد طفيت الشمع.. والغنوة الحلوة ملاها الدمع، أو باسم هواكم ليَّا..بتطفوا الشمعة البادية في لياليا،من أغنية أحضان الحبايب.

أما موسيقار الأجيال فيعبر عن قرار الإنسحاب من خلال مواله الشهير والنادر (في البحر لم فتكم): انا كنت وردة في بستاني قطفتوني.. وانا كنت شمعة جوه البيت طفيتوني، ولو عدت دي المرة هاتوا المر واسقوني » ، ومن أغنية (راجع بتسأل) لنجاة الصغيرة: فاكر الشمعة اللي طفاها الهوى..فاكر الوردة اللي بوسناها سوا.. الليالي كلها دابت على نار البعاد.. والنهار تاه في ليالي الشوق.. وليالي الشوق سواد.

بنعشق الحياة..

وعلى مسرح المركز الثقافي الملكي في عاصمتنا الحبيبة عمان وضمن مسابقة الأغنية العربية عام 1995 حصلت المطربة غادة رجب على جائزة الميكروفون الذهبي كأفضل عمل متكامل عن أغنية (بنعشق الحياة) للشاعر الغنائي جمال بخيت وحضرت الشمعة بهذه الأغنية لتحيي الأمال في النفوس وبصوت غادة وهي تصدح :

«الظلمة مهما تكتر تهزمها شمعة واحدة.. والروح الحرة تقدر تدي وتاخد وترضى.. الحب لسه قادر يحرك القلوب وقلوبنا لسه قادرة وهي في الصدور.. ونتغنى على هواه.. برغم كل شيء..أيامنا فيها شيء.. بنعشق الحياة !.

وبرغم كل شيء يبقى هناك توق لشمعة تضيء القلوب وتملأ فراغ الروح بمشاعر وأحاسيس عبَّرْ عنها الشاعر المتصوف جلال الدين الرومي بهذه الخاطرة وكأنه لسان حال الحالمين:

«هناك شمعة في قلبك تنتظر أن تُضاء.. هناك فراغ في روحك ينتظر أن يُملأ.. إنك تشعر بهذا أليس كذلك ؟ !»،