موسى إبراهيم أبو رياش

كاتب أردني

تتكون مجموعة «جنازة المومياء» لحسام الرشيد، من إحدى عشرة قصة قصيرة، تتناول جملة من الموضوعات، معظمها يتعلق بكبار السن وظروفهم ومشاكلهم، وبعض هذه القصص تتناص مع حكايات وأحداث متداولة.

كُتبت المجموعة الصادرة عن وزارة الثقافة (2019) بلغة أخاذة، وتميزت بسردها المحكم، وقدرتها على الاستحواذ على القارئ؛ لما فيها من إثارة وتشويق، وحبكة متقنة، ونهايات مدهشة.

في قصة «موتى بلا قبور»، تقرر البلدية استملاك جزء من مقبرة قديمة، فيثور الأهالي بقيادة شيخ الجامع، الذي يكفّر هذا العمل ومن يقوم به، ويعدّه اعتداء على حرمة الأموات، أما المختار، فكان محايداً، لأن قبر والده غير مشمول بالإزالة، فالأمر لا يعنيه. وعندما تأتي الجرافة، يتصدى لها الأهالي مع شيخهم، ولكنهم سرعان ما يبتعدون ما إن تبدأ عملها ويثور غبار كثيف، ولمّا تتعثر الجرافة بجرة مدفونة، يُهرع الجميع إلى بيوتهم يُحضرون الفؤوس لنبش المقبرة رأساً على عقب؛ بحثاً عن الدفائن، وينسون الأموات وحرمتهم. إنّ المصالح عند الناس، مقدَّمة على المعتقدات الهشة والسطحية المتوارثة دون تبصُّر أو قناعات راسخة.

وفي قصة «الكمين»، تفتك الحيرة بالحاج مرضي، فقد أشار عليه الشيخ بطلاق إحدى زوجتيه؛ كتفسير لمنام رآه، فالطلاق ظلم لإحداهما، ثم أيهما ستكون الضحية؟ جمع زوجتيه، وأخبرهما بعزمه على طلاق إحداهما، ولمّا لم يذكر السبب، فقد اتفقتا معه أن تتدبرا الأمر، وتحلا المشكلة، ويبدو أنهما عرفتا أن الشيخ هو المتسبب، فاستدرجتاه إلى مكيدة، مسحت به الأرض، فترك القرية، ولم يعقب. هو كيد النساء الذي لا يُقهر، ولعل هذه القصة تتناص مع بعض قصص ألف ليلة وليلة، التي برعت في قصص كيد النساء وحيلهن.

وتتعالق قصة «الصبار الحلو» مع قصة «الكمين»، إذ كادَت المرأة سليطة اللسان لشيخ الحارة، لأنه ينوي تأديبها، فجعلت زوجته السابعة -دون أن تعرفها- تطعمه قشرة صبار منقوعة بالخل؛ كعلاج لضعفه الجنسي، بعد أن أقنعتها بأنه صبار حلو، مما أدى إلى طلاق آخر زوجاته، وعدم قدرته على الكلام، حتى تمنى لو يقص لسانه حتى تبرحه آلامه الموجعة.

وفي قصة «الوليمة الحمراء»، يستاء عجائز القرية لاستبعادهم من معالجة أمر الذئب الذي يسطو على زريبة أغنامهم، بعد أن كثرت ضحاياه، ولم يعثروا له على أثر، وفشلوا في ترصده وإنهاء أمره، فاتفق العجائز الأربعة على تولي الأمر بأنفسهم، ليثبتوا أنهم ما زالوا قادرين على العطاء، وأن (الدهن في العتاقي)، فترصدوا للذئب عند باب الزريبة، «وأخذتهم سنة من النوم، لم يدحرها سوى وقع خطوات مريبة قرّت في آذانهم، فزّوا واقفين، ورأوا غنيمتهم يتقدم نحو الزريبة، فانقضوا عليه وأوسعوه طعناً حتى خرّ صريعاً على الأرض يتخبط في بحيرة من الدماء، وسرعان ما غادروا المكان تاركين غنيمتهم وهي تثغو تغاءها الأخير!». عندما يصر البعض أنهم رجال كل المراحل وإلى الأبد، تتحول مراجلهم إلى خسائر وخراب ودمار للوطن وأهله.

في قصة «امرأة الشرفة»، دبيب الحياة يعاود الستيني لمرأى امرأة تحتسي قهوتها على الشرفة، ويتقصد كل مساء أن يمر من أمام شرفتها، يحدّث أصدقاء المقهى عن أمره، فيسخرون منه، ولكنه يستمر في أحلامه اللذيذة، خاصة أنها تحافظ على جلستها لكأنها تنتظر مروره، ولكن، «ما لبثت الأرض تغور به في قيعانها السحيقة، عندما رأى الخادمة تدخل إلى الشرفة، وبرفق تمسك بيد سيدتها العمياء لتقودها بخطى متمهلة إلى داخل البيت». هي الأحلام التي تنمو بلا جذور، تتحول إلى أوهام، وربما هاوية!

وتتشابه قصة «الزفاف» مع القصة السابقة، إذ يعيش العجوز الوحيد في رتابة مملة، وعندما يخبره صديقه العجوز «المنسي» برغبته في الزواج بعد أن انفضّ أولاده من حوله، يستنكر رغبة «المنسي»، ولكنه ما يلبث أن يتفكر في الأمر، ويلتفت للمرة الأولى لجمال جارته الأرملة، وتشاركه أحلامه. يفتقد عجائز المقهى «المنسي» وغيابه المريب، فيذهبون لتفقده في بيته، فيستقبلهم سرادق العزاء به.

وفي قصة «جنازة المومياء»، المرأة العجوز التي تسكن غرفة في عمارة متهالكة في طرف الحارة، كانت منطوية على نفسها، لا تختلط بغيرها، ولا تخرج إلا لقضاء حوائجها، ولما انقطعت عن الخروج، بدأت التأويلات والتفسيرات والأقاويل؛ فهي عجوز شريرة، مسكونة بالجن. اجتمع أهل الحارة على باب غرفتها، فلم يروا إلا خيالاً يتراءى خلف الزجاج، فمات مختار الحارة، وشيخ معروف، وفي المرة الثالثة سقط فتوة الحارة عندما حاولوا دخول غرفتها، ولكنهم اقتحموا غرفتها أخيراً، ولم يجدوا أحداً. هي الخزعبلات والأوهام عندما تعشش في عقول الناس وتضخم لهم ما يتخيلون، فتتحول إلى بعبع يفترسهم، وعندما يتجرأون على فتح عيونهم جيداً، تتراءى لهم الحقيقة عارية.

وفي قصة «حمار بجناحين»، يتوهم العجوز أنه رأى صباحاً حماراً يطير بجناحين، قرب أشجار حديقة بيته، ولكنه لم يخبر أحداً حتى يتأكد مرة ثانية، ولكن الحمار الطائر لم يظهر. ولما نزل يتفقد أشجاره، دخلت جارته البستان، تدور باحثة بين الأشجار، ثم سألته عن عباءتها السوداء، فأفاق من وهمه وذهوله، وأخبرها أن عباءتها طارت بعيداً. وهذا الوهم البصري شائع عند كبار السن بسبب ما أصاب العين من وهن وخلل، ولكن المأساة أن يكون مستقبل الأوطان رهناً برؤية أمثال هذا العجوز وأضرابه كباراً وصغاراً!

في قصة «بساط الأحلام»، الرجل الذي دافع عن الشيطان، وبرّأه من مسؤولية معاصي البشر، وأن كلّاً مسؤول عما يقترف، زاره الشيطان في المنام، ليشكره ويكافئه، ولكن الرجل رفض أيّ مكافأة، فهدده الشيطان بالقتل، فقد كبر عليه أن يعصيه الرجل، فطلب منه أن ينصبه والياً ليوم واحد، فحمله الشيطان على ظهره، ووضعه بين يدي الوالي قائلاً: «هذا الرجل هو آخر معارضيك، ليكن عبرة لمن سواه». وهو جزاء مستحَق لمن يتنطع للدفاع عن الشر والخبث، فلن يجد منه خيراً، «فكل إناء بما فيه ينضح»، و«إنك لا تجني من الشوك العنب».

يجتمع العجوز بأولاده وزوجته في قصة «الديناصور يتلو آخر اعترافاته»، ويخبرهم أنه تلقى ثلاث رسائل تهديد بالقتل، فيصاب الجميع بالقلق على أبيهم، خاصة أن لا خصوم ولا أعداء له، وهو رجل الأمن المتقاعد منذ فترة طويلة. وذات ليلة، يستيقظ الابن الأكبر على حركة حذرة، «فكانت المفاجأة التي جعلت عينيه كطائرين مذبوحين يتحركان بمنة ويسرة حين رأى والده العجوز يتجه نحو باب الشقة كجرادة متحفزة، وهو يلتفت حواليه بحذر، وسرعان ما انتزع من جيب بيجامته ورقة بيضاء دسها تحت الباب وغاب في الظلام». هو افتقاد الاهتمام، وخاصة لمن تعود على السمع والطاعة وبهرجة الكلام، يحب أن يبقى تحت الأضواء، وفي بؤرة الأحداث، ولو بافتعال المشكلات والمعارك الوهمية.

وجاءت قصة «الصعود إلى معراج السماء»، خاتمة مسك للمجموعة، فهي قصة فداء وبطولة وتضحية في غاية الروعة من وحي معركة الكرامة، إذ يتسلم الصحفي رسالة بريدية يخبره صاحبها بقصته؛ عندما حاصرته دبابات العدو، وزُرعت المنطقة بالألغام قبل الانسحاب ليسهل صيد الدبابات الأردنية التي ستلاحقها، ولما انسحبت أخذت تطلق النار عليه وعلى من معه من الجنود، حتى استشهدوا جميعاً، وبقي وحده، ولما تقدمت الدبابات الأردنية لوّح لها مشيراً إلى خطورة الطريق، فتراجعت الدبابات، ونجت من مجزرة. وضرب للصحفي موعداً في الاحتفال بذكرى الكرامة، وفي الطريق إلى الكرامة، تزامل الصحفي ببعض المدّعين الذين يزعمون أنهم بناة الوطن، وأربابه، فأعرض عنهم، وفي المكان، اقترب شاب عشريني منه مبتسماً، فسأله عن اسمه، فقال: «لا يهم من أكون، أحببت أن نحتفل معاً بيوم الكرامة. وفي لحظة خاطفة لم يتوقعها الصحفي، مضى الشاب إلى الشاهد الرخامي لنصب الجندي المجهول، حيث نقش اسمه على لائحة الشهداء الأبرار، ثم مضى صاعداً إلى معراج السماء. كالمصعوق وقف الصحفي أمام هذا الشاهد، قرأ اسم الشاب وتاريخ استشهاده، قال مخاطباً نفسه: يا إلهي، هل أنا في حلم؟ وحتى يقطع دابر الشك، زرع يده في جيبه باحثاً عن رسالة الشاب، وكانت المفاجأة أنه لم يعثر لتلك الرسالة على أثر!». هي كرامة الشهداء الذين يبقون أحياء في الذاكرة، تروى قصصهم وبطولاتهم للأجيال، ويجب أن يبقوا كذلك، لأن نسيانهم تخلٍّ عن الكرامة والعزة، وعن التاريخ المشرِّف، وظلم لهؤلاء الشهداء الذين جادوا بأرواحهم فداء للوطن وأهله.