عمان - أمل نصير 

قال الكاتب سامر المجالي أنه "بالنسبة لأدب كورونا، فلا شك أننا سنشاهد أعمالا كثيرة بلغات متعددة تأثرت بكورونا، إما بالحديث عنه مباشرة، أو بربطه بظواهر الوجود بشكل عام، أو بكمونه داخلها دون أن يظهر ظهوراً مباشراً.. وربما يمتدّ الأمر لسنة أو سنتين بعد الجائحة. سوى ذلك لا أتوقع لكورونا تأثيراً في الأدب. أي لا أرى أنه قد يشكل ظاهرة منفصلة، أو مدرسة تطبع تيارات أدبية بطابعها الخاص".

والمجالي مهندس مدني وحاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة نورثامبتون البريطانية.

مؤلف كتاب "شياطين في حضرة الملكوت" وكتاب "أكمام الحب والغضب"، وهناك رواية جديدة له على وشك الصدور.

يعمل حالياً في مجال التدقيق والتحرير اللغوي وتطوير المحتوى.

الرأي التقت المجالي في الحوار التالي:

كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الرامية إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

هذا السؤال يدفعني إلى الفكرة العامة التي أحبُّ أن أوضحها هنا، والتي ناقشتُها مع كثير من الأصدقاء خلال الحظر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو وجهاً لوجه حين بدأت الأزمة تنفرج تدريجياً. هذه الفكرة هي ضرورة النظر إلى إيجابيات "الزمن الكورورني" -إن جاز هذا التعبير- قبل سلبياته، ومن ذلك: كيف أمكن للحظر الكلي أو الجزئي أن يساعدنا في ترتيب أولوياتنا، وفي تقسيم ساعات اليوم بما يناسب هذه الأولويات.

بالنسبة لي شخصياً، قسمتُ وقتي في البداية بين ثلاثة جوانب: الجانب الأول، خدمة والديّ اللذين يسكنان على مقربة مني، وليس لهما من الأولاد الذكور أحد سواي. الجانب الثاني خدمة عائلتي الصغيرة؛ أي زوجتي وأولادي، لا سيما أنهم خاضوا تحدياً من نوع جديد؛ فزوجتي التي تُدرّس في جامعة العلوم الإسلامية انهمكت في تجهيز محاضراتها عن بعد، والتواصل مع طلبتها إلكترونياً، وإجراء الامتحانات لهم عبر وسائل جديدة لم تكن مألوفة لها أو لهم في السابق. وأولادي كذلك، خاضوا تجربة التعلم عن بعد عبر منصة "درسك" التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم.. فكان عليّ أن أدعمهم جميعا كي يؤدوا مهماتهم بكفاءة ونجاح. الجانب الثالث هو نشاطي الثقافي: قراءة وكتابة، وعملاً في مجال التدقيق والتحرير ومتابعة المحتوى. وبحمد الله، استطعتُ أن أحافظ على توازنٍ بين هذه الجوانب الثلاثة، فكان يومي العملي يبدأ في التاسعة صباحاً وينتهي عند الحادية عشر ليلاً، ويأخذ خلاله كل جانب حقه دون أن يطغى واجب على آخر.

بوصفك مثقفاً، هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن؟

لا شك في ذلك، على أن نتنبه إلى أنها في الوقت الذي غيرت فيه مجموعة من المفاهيم، فإنها ثبَّتت مفاهيم أخرى، فلم يكن التغيير راديكالياً، لكنه ملموس وأمكن من خلاله النظر إلى الحياة عبر مساحة أوسع.

من ذلك، اكتشاف ذاك الوهن الذي تعاني منه مادية الحضارة في المراكز التي صُنعت وتجسدت فيها هذه المنجزات المادية المبهرة. لقد ضرب الكورونا كبريات المدن الغربية ضربات موجعة، وأثبت أن جاهزيتها، رغم ثرائها التقني وتقدمها التجريبي، كانت شبه معدومة لاستيعاب جائحة من هذا النوع. كانت ثقتي –وأتحدث فقط عن التجهيزات والقدرات المادية- بهذه الحضارة أكبر بكثير من هشاشتها التي أظهرتها الجائحة. إن هذا برأيي أمر مفهومي خطير؛ لأن فيه جانباً معرفياً من ناحية، وجانباً أخلاقياً من ناحية أخرى، فكان السقوط مدوياً في الحالتين. وبدا أن تراكم المعرفة، وتطور التجريب، وتقدم الصناعة، وعراقة الديموقراطية، ورسوخ مبادئ المواطنة، وانتشار مؤسسات المجتمع المدني، كل هذه لم تقف حائلاً دون تلقّي سياط الفيروس بلا حول ولا قوة.

في الوقت نفسه ثبت أن البشرية تعاني من مأزق "ما بعد حداثي" خطير. كان الفيروس تحدياً لقدرات العلم التجريبي بالذات، هذا العلم الذي جعل الإنسان يرى الكون مجرد آلة ميكانيكية يمكن التنبؤ بحركاتها كافة، ومن ثم السيطرة عليها وإخضاعها. جاء الفيروس ليتحدى العلم التجريبي، ويثبت عجزه، ويقول للإنسان: أنت ما زلت طفلاً يحبو في هذا الكون، فاترك غرورك واعترف بجهلك، والتفت إلى إنسانيتك فهي قيمتك الحقيقية في هذا الوجود.

هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك، أو إعادة ترتيب تفضيلاتك في القراءة؟

جواب هذا السؤال هو النفي، إذ لم تتغير خطتي التي كنت أتبعها في القراءة، ولم تنشأ تفضيلات جديدة.. ربما لأن القراءة بالنسبة لي نشاط أساسي أمارسه منذ سنوات بعيدة، وله حضوره اليومي الذي لم ينقطع؛ الأمر الذي يجعله دائماً فعلاً مؤثِّراً لا مؤثَّرا فيه، حتى لو كنت وسط حدث بحجم كورونا.

أما بالنسبة للسؤال الثاني، فقد انشغلت خلال الحظر بالقراءت الأدبية؛ القصص والروايات بالتحديد. ولا أعرف لذلك سبباً سوى رغبتي في ذلك، بعد أن كرست السنة التي سبقت كورونا لقراءة كثير من الأعمال العرفانية أو الفلسفية لنخبة من رموز التراث العربي الإسلامي، ولفلاسفة عالميين من أمثال هنري بيرغسون وغاستون باشلار.

هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟ هل تعتقد أنه سيكون هناك أدب يُسمّى أدب كورونا؟

نعم، كتبت حول كورونا، إذ بالإضافة إلى عشرات الشذرات والفقرات القصيرة، كتبت مقالاً مطولا بعنوان "كورونا والحرب" وتنبأت فيه بأن الفيروس قد يغير شيئاً جوهرياً في وجدان "الإنسان السياسي" أو "إنسان الدولة القومية" الذي اكتمل نموه في القرن العشرين، فنعود لنرى توازنات جدية في القوى، وربما قادنا ذلك إلى صراعات وحروب جديدة، بعد أن أوشك مفهم الحرب الشاملة على التلاشي.

كتبت كذلك مقالا بعنوان "يوم كوروني" وفيه تسجيل لمشاهدات يومية سجلتها خلال فترة الحظر الجزئي في الأردن، ومقالاً ثالثاً بعنوان "تأملات في زمن حظر التجول" وجعلته مقالاً ذاتياً، تناول الفترة الأولى من الحظر التي كانت شاملة وقاسية على الجميع.

أما بالنسبة لأدب كورونا، فلا شك أننا سنشاهد أعمالا كثيرة بلغات متعددة تأثرت بكورونا، إما بالحديث عنه مباشرة، أو بربطه بظواهر الوجود بشكل عام، أو بكمونه داخلها دون أن يظهر ظهوراً مباشراً.. وربما يمتدّ الأمر لسنة أو سنتين بعد الجائحة.

سوى ذلك لا أتوقع لكورونا تأثيراً في الأدب. أي لا أرى أنه قد يشكل ظاهرة منفصلة، أو مدرسة تطبع تيارات أدبية بطابعها الخاص.

برأيك ما هو دور المثقف في هذه الأوضاع؟ هل بإمكانه أن يساند الإجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين، وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل، والسلوك الترشيدي؟ وكيف؟

دور المثقف جوهري في هذه الظروف، ويستطيع أن يؤثر في محيطه القريب، وفي المشهد الأردني الكبير.

ولعل أهم ما يمكن له أن يفعله هو تعزيز الثقة التي تربط المواطن بالجهاز التنفيذي؛ أي بالحكومة. وهذا أمر غير سهل، لا سيما في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي قد تُستغَل أحياناً لتكون منصة للشائعات، أو منبراً لنشر الطاقة السلبية بين المواطنين. دور المثقف هنا دور تنويري تحليلي، يسمّي الأشياء بمسمياتها، فيشير إلى الإنجازات ولا يبخس الحكومة حقها، وينبه إلى النواقص دون أن يضخمها ويتخذها ذريعة للإمعان في نقد ليس له مبرر. لقد قامت الحكومة الأردنية بجهد جبار خلال الأزمة، وكان أحد شواهده رفع جاهزية القطاع الصحي من صفر تقريباً إلى قدرة على استيعاب مئات الحالات المزمنة لو أن الفيروس انتشر على نطاق أوسع داخل المملكة، لا سمح الله. ولا شك أن هناك جوانب أخرى، وهناك أخطاء، لكنها أخطاء طفيفة وأمكن تداركها لسبب بسيط: هو أن الآلة (الحكومة) كانت تعمل بكفاءة، وكانت قادرة على تقييم عملها وتصحيح مساراته إن تطلب الأمر ذلك.

هذا في جانب الوعي، أما في جانب تعزيز القيم فلا شك أن هذه مهمة منوطة بالمثقف في الأحوال كلها؛ قبل كورونا وخلاله وبعده؛ فالمثقف قادر على الولوج إلى ضمير الإنسان الفرد وضمير المجتمع، ومخاطبة الضميرين بما يحقق المصلحتين الخاصة والعامة. وفي فترة كورونا بالتحديد أمكن للمثقفين المساهمة في نشر الوعي بأهمية التباعد الاجتماعي والالتزام بإجراءات الوقاية الشخصية التي تحد من انتشار الفيروس. وأمكن لهم كذلك التنبيه إلى طبيعة الفيروس وطرق انتشاره والتنبيه إلى كثير من المعلومات الخاطئة التي انتشرت عنه.

والأهم من ذلك كله أن هناك فئة من المثقفين نبهت إلى التداعيات الاقتصادية للحظر، وتأثيره على فئات واسعة من صغار الكسبة وعمال المياومة، ما ساهم بتوجيه النظر إلى هذه الفئات، واتخاذ تدابير اجتماعية ورسمية خففت من أثر الجائحة عليهم. وهذه النقطة كانت برأيي من أهم منجزات فئة المثقفين هذه. وهي مما يدعو إلى الفخر والاطمئنان إلى أن مجتمعنا مجتمع حي متكافل.