ذكريات مليئة بالمصادفات، تسردها نهى بطشون بعفوية وبساطة وبكل صراحة. تقلب صفحات حياتها منذ ان وصلت ألى الدنيا من شهر شباط عام 1936، في حي العجمي في يافا حتى هاجرت منها إلى عمان.

اثنا عشر عاما عاشتها في يافا تحمل ذكرياتها.. وما زالت تعيش أمل العودة في يوم من الأيام مهما طال الزمن.

والى ان يأتي هذا اليوم الذي طال انتظاره مع عدو يتوغل أكثر وأكثر كل يوم في انحاء فلسطين، لكنها لم تيأس وهي تحمل يافا على أكتافها وفلسطين في قلبها والقدس جرحها.

من يافا إلى عمان والقاهرة والبحرين إلى لندن وبالعكس. ومن التعليم إلى الإعلام والفن التشكيلي.

.... سبعة عقود رأت فيها الإعلامية والمربية نهى بطشون ما لم يره الكثيرون.

عايشت الإذاعة الأردنية في عزّها بالستينيات، ومع الإذاعة البريطانية قُدّر لها أن تشهد ستينيات وسبعينيات القرن الماضي: عقود العمالقة الذي تحتفظ لهم ذاكرة نهى بطشون بتفاصيل فيها من الشجن بقدر ما فيها من الآلفة.

تسمع لها وهي تستذكر تفاصيل طفولتها فلا تستطيع إلا أن تشاركها الحنين الذي تثريه بتفاصيل العيش في جبل عمان وفي جبل الحسين عندما كان مخيماً.

نهى بطشون تمتلك مع الريادة في الإعلام النسوي ريادة أخرى في توثيق الفن وتأصيله حيث أنشأت أول جاليري في الأردن، وأهدت لأمانة عمان الكثير من الصباريات، وإذا قُدر لها أن تصدر الجزء الثاني من كتابها راهبة بلا دير، فانها ستثري التاريخ الاجتماعي لضفتي نهر الأردن بالذي لم يُدوّن من ألوان ريحان القلب.

نسأل نهى وهي التي لديها فائض من الجمال والثقافة والخلق، لماذا لم تتزوج؟ فتجيب راضية: لم يأت الشخص المناسب.

رتبي لنا أولوياتك في تشكيلة صورتك كما ترينها أنت:

أنا تربوية وإعلامية. بداياتي كانت في التعليم، ومن ثم سافرت للبحرين واشتغلت في التعليم أيضاً وفي الإذاعة، وبعد ثلاث سنوات في البحرين ذهبت إلى إنجلترا واشتغلت مع اذاعة ال بي بي سي في القسم العربي، كان اسمها هيئة الإذاعة البريطانية.

تعلمت من والدتي الفنون من وأنا صغيرة، لكنني لا أعتبر نفسي فنانة بالمعنى هذا. فلم أدرس الرسم في مدرسة خاصة بل في المدرسة التي كنت أتعلم فيها، مدرسة سي أم أس وهي الأهلية للبنات في جبل عمان.

كانت المعلمات اللاتي يدرسننا أغلبهن أجنبيات، منهن هاريسون التي كانت تهتم بالرسم وبعد ذلك قاموا بعمل كتاب عن مجموعة الصور التي رسمتها في الأردن وفلسطين، عن النباتات الضلعية الأردنية. وخرج الكتاب بدعم من مي بلبيسي التي طبعته على حسابها. هذه المدرسة هاريسون علمتنا مبادئ الرسم، وجعلتنا نرسم من المحيط الذي حولنا، مثلاً صوبة الكاز الموجودة في غرفة الدراسة، وشباك الصف الذي كان يطل على بيت الملك الحسين قبل أن يصبح ملكاً.عندما كان الملك عبدالله الأول ملكاً للأردن، كانت هناك شجرة جميلة نتدرب على رسمها.

لا أدعي أنني فنانة، الا انه لدي اهتمام بالفنون وخصوصاً عندما أنهيت التدريس في البحرين وذهبت إلى إنجلترا، حيث فتحت أمامي أبواب الفنون الجميلة، من المتاحف والمعارض الخاصة والمعارض التي تضم الحرف من البلاد العربية. أتذكر أنني رأيت أشياء من المغرب وتونس، كان ذلك في الفترة من 1960-1965، وكانت تأتيني دعوات كمذيعة لتغطية هذا الجانب.

وقتها كانت بريطانيا قد خرجت من حرب السويس وقبلها الحرب العالمية الثانية، وبدأ الناس هناك يأكلون جيداً ويلبسون لباساً جيداً، وعندما يكون لديهم معارض يرسلون لنا لنرى ونكتب. ومن ضمن الذين قابلتهم في ذلك الوقت، وأصبحت ممثلة شهيرة، وكانت في ذلك الوقت ما تزال فتاة عمرها 20-22 سنة، (رجاء الجداوي). كانت في ذلك الوقت تعرض الأزياء. وأتذكر أنني حضرت لها معرضا بواسطة السفارة المصرية في لندن، وبعدها انطلقت على الطريقة الإنجليزية، مع انها ليست إنجليزية. كانوا يشجعون كل إنسان هناك إذا حصلت لديه فرصة نهاية العام ويأخذ إجازة يستطيع أن يسافر لدول أوروبا، فرنسا وألمانيا وإيطاليا. كل هذه البلدان زرتها وأنا في سن صغيرة، وهذا ضروري إذا أراد الشخص أن يستفيد من رحلاته بأن يسافر ويبحث عن أبسط الطرق. كنت أذهب في هكذا رحلات واستمتعت كثيراً واستفدت كثيراً، فكل بلد زرتها لديها ثقافتها وتزيد في ثقافتنا.

على مدى سبعة عقود عشتي وعايشتي وقائع واحداثا كبيرة في منطقة متحركة بتوتر: فنانة واعلامية وتربوية.. ماذا عن تلك المرحلة؟

عندما توفى فيديل كاسترو تذكرت الناس في تلك الفترة: من وصفي التل لجمال عبدالناصر لصدام حسين لتيتو وكثير من الرجال العظماء، فقد سمي القرن العشرين بعصر الرجال العظماء، وهذا صحيح.

حتى في الأردن. أتذكر الرجال الذين عرفتهم سواء عندما كنت في الإذاعة الأردنية التي عملت فيها فترة قصيرة، وفي التلفزيون الأردني. كنت من أوائل مذيعات الأخبار والمخرجات، لأن هذا ما درسته في إنجلترا، أتذكر عندما كان يجتمع روكس بن زايد العزيزي وحسني فريز وكل الشخصيات المهمة، التي لا أجد انها تتكرر في هذا العصر.

عملت في قطاع التربية والتعليم في مدارس المملكة والقاهرة والبحرين، قبل توجهك إلى لندن للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي):

في عمان عملت سنة واحدة مع وكالة الغوث، بمدرسة في جبل الحسين، عندما كان جبل الحسين مخيما، وسبب لي حزناً كبيراً لأن من ضمن الأمور التي أتذكرها لغاية الآن أن هناك شقيقتين اثنتين في نفس الصف، واحدة أكبر من الأخرى بسنة أو سنتين، فكانت تأتي واحدة منهما خصوصاً في الشتاء وفي يوم آخر تأتي الأخت الثانية، وعند سؤالي عن السبب ولماذا لا يأتين مع بعضهن في اليوم نفسه للدراسة، تبين لي بأن لديهما حذاء واحد فقط في البيت، يوم تأتي واحدة بالحذاء واليوم الثاني تأتي أختها بعد أن تأخذ الحذاء.

في القاهرة تعلمت، مع أنني كنت قد أنهيت التوجيهي الأردني. لأنهم لا يعترفون به درست توجيهي مصري، واستفدت بأننا درسنا علم الاجتماع والفلسفة، وعندما ندرس التاريخ هناك بالطبع يقومون بتدريسنا تاريخ مصر قبل تاريخ الأردن.وكنت درست الصحافة في كلية الصحافة، وفي البحرين لم أكن أود الذهاب هناك، لأنني كنت أرغب بالسفر لإكمال دراستي الجامعية، والتي لم أستطع إكمالها في مصر، فذهبت إلى البحرين حيث كنت بحاجة إلى العمل، وعملت ثلاث سنوات في التعليم أما في إنجلترا فقد كانت تجارب أكبر وأوسع وهي منفتحة على العالم، وبنفس الوقت كان لدينا إحساس بالحزن لأن في زماننا كانوا يدرسون الملف الأخضر والمتعلق بفلسطين وكيف حصل الانتداب..الخ، وبعد ذلك عدت إلى الأردن.

دعينا نبدأ من حيفا حيث ولدت من حي العجمي في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي مرورا بالنكبة والهجرة لعمان والدراسة في مدارس الوكالة وتعلمك الصحافة بالمراسلة وبقية حلقات الذاكرة الخصبة بما فيها ذكرياتك مع الاذاعة الأردنية والبريطانية:

مرة وانا في البحرين سألت الاستاذ يوسف الشيراوي أحد رواد النهضة الخليجية الحديثة: أي يوم من أيام الأسبوع يصادف 4 شباط من عام 1936 أجاب: يوم الثلاثاء.

وسألت شقيقتي «ايفون» أين كان مولدي: فقالت في بيت » أم بندي» وهي صاحبة البيت الذي كنا نسكنه، في نهاية حي العجمي، جنوب مدينة يافا.

أما القابلة «الداية» التي ولدتني فهي » هنا هنديلة». وبعد أكثر من اربعين عاما استبدلت شهادة ميلادي الأصلية بشهادة ميلاد أردنية جديدة.

رائحة المدينة وذكرياتها الضائعة:

بعد الرحيل المُرّ، عام 1948، كنت في الثانية عشرة من عمري، لم أكن أتذكر كل التفاصيل، حتى آب 1962.. في ذلك اليوم الحار كنت عائدة من لندن الى عمان، في اجازة من عملي في هيئة الإذاعة البريطانية، القسم العربي. حيث أخذنا الباص السياحي من رومة الى «سورينتو»، جنوب إيطاليا. أبقيت النافذة مفتوحة بسبب حرارة الطقس. وفي موقع ما، على هذه الطريق، هبت نسمات تحمل عبق زهر البرتقال والليمون، فخضتّ كياني. ولا ادري ما جرى في داخلي. انهمرت دموعي.. لم يكن بكاء عاديا، بل نشيجا من أعماق قلبي.. من ذلك الحين بدأت ذكريات الطفولة في يافا تترى وتعود، بعضها أوضح من بعض..

عالم طفولتي

في طفولتي، كنت شقية جدا: ألعب في الطريق، أمام البيت مع أولاد الحارة وبناتها. ابرز تلك الألعاب لعبة » أوَلك يابو اسكندراني». وهي لعبة ينحني فيها أحد الأولاد إلى الأرض ويثبت يديه على ركبتيه، في حين يقوم بقية الأولاد والبنات بالقفز من على ظهره. ولم تكن هذه اللعبة تعجب والدتي..

العاب كثيرة تختزن بالذاكرة جعلتني أكتشف ان عالمي كان آنذاك زاخرا بالحيوية والحركة والنشاط. لقد بقي الطريق أمام البيت مسرحا للألعاب الأكثر حرية وانطلاقا. ففيه نلعب الطائرة المستديرة، ولعبة القبع والفريرة والأكس وصنع الطائرات من الورق اللميع التي كانت تمنحني البهجة والفرح.

و قصة السرير النحاسي؟

كنت شغوفة في السرير النحاسي واطلقت عليه » المسرح» بسبب ارتفاعه عن الأرض، وبسبب أعمدته المدورة التي تزينه عند الرأس والقدمين. فعندما يفرش بشراشفه البيضاء المطرزة من كل جانب كان يبدو غاية في الاناقة والجمال. ولا أدري ان كان اعجابي به بداية لهواياتي في جمع النحاسيات..

والإعلام:

اعتقد ان بداية الصحافة في قلبي بدأت من ذلك الوقت، عندما كنا نخرج في مظاهرات، مع أن عمري كان 8-9 سنوات، وعندما حصلت مظاهرة في الشارع الموازي للشارع الذي نسكن فيه، كان المتظاهرون يقومون برمي الأحجار على المحلات المفتوحة حيث من المفروض أن تغلق هذه المحلات خلال المظاهرة. كنت أقوم برمي الحجارة على دكان اسمها دكان المبيض، وأتذكر أنني أصبت بحجر في عيني وأخذوني إلى البيت وكانت الدماء تغطي عيني، وعندما كبرت أكثر، أتذكر بأنه كانت تخرج مظاهرات تأييد للحاج أمين الحسيني وكانوا يغنون له أغاني مختلفة منها (حج أمين يا عزنا) وكنا نردد وراءهم هذه الأغاني. لم تكن هناك ضغوط اجتماعية علينا. أتذكر أنني كنت أسير في الشوارع حافية القدمين.

طفولتي كما قلت كانت جميلة بالرغم من كل المشاكل، لأنني كنت شقية كثيراً. في ذلك الوقت لم تكن توجد تاكسيات، إلا في مدينة القدس. فكنا نقوم باللحاق بالعربة التي يجرها الحصان أو الخيل ونتعلق بالخشبة الموجودة في الخلف حتى لا يرانا (العربنجي) وإن رآنا نقوم بالنزول

المراحل الأولى في حياتك؟

درست في الأهلية -الـــ سي ام اس- وأخواتي أيضاً درسن فيها. وقتها لم يكن هناك مدارس عليا كثيرة، كانت هناك فقط مدرسة أو مدرستان، وبجانبنا كانت مدرسة حسن عرفة، للبنين، وبعد عام 1948 أصبحت للبنين والبنات. درست في الأهلية حتى الصف الخامس ابتدائي، وعندما جئنا إلى عمان أكملت الصف السادس في نفس المدرسة وكان فيها ايضا طالبات ليس فقط من بنات عمان حيث كانت تأتي للدراسة في هذه المدرسة فتيات من الشمال وجرش ومن السلط ومن الكرك وعجلون ومن مناطق عدة. الفتيات من عمان أذكر منهن لمياء الرفاعي وهند بدير ونشاط بعلبك ومي الشاعر وأخريات. كنا في الصف 16 فتاة أو 17 وكلما نترفع إلى صف أعلى يقل عدد الفتيات والسبب أنهن كن يتزوجن في سن مبكرة، لكن أنا بقيت لحين أنهيت الدراسة.